للمرة الأولى منذ خروجه من السجن بكفالة مالية تجاوزت 10 مليون دولار، وفي أول مقابلة له بعد انتهاء حاكميته في المصرف المركزي التي استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، أطّل حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة على اللبنانيين بقوله إنه تعرّض لمحاولات "تشويه صورة وشيطنة، معتبراً أنه "كبش فداء".
وفي حين عدد مجموعة أسباب مسؤولة عن الانهيار المالي والاقتصادي منها انتفاضة 17 أكتوبر 2019، وامتناع الحكومة عن تسديد الديون عام 2020، والهدر في قطاع الطاقة، إلا أن النقطة الأبرز في المقابلة التي بثتها العربية قبل أيام، كانت حديثه عن الودائع، مقترحاً إعادتها لأصحابها، لكن بقيمتها الأصلية أي على سعر الصرف الأسبق (١٥٠٠ ليرة للدولار)، وليس بالدولار الفعلي، لأنها "وفق منطقه "لم تكن دولارات حقيقية أساساً.
"نموذج تحايل وغشّ"
وفي السياق، أوضحت الدكتورة سابين الكيك، الأكاديمية والباحثة في قانون الأعمال والمصارف للعربية.نت/الحدث.نت "أن كلام سلامة عن الودائع ينسف نموذج جذب الودائع الذي لطالما تغنَى به، إذ تبيّن أنه نموذج بُني على التحايل والغشّ والأوهام".
كما أضافت قائلة "في أي دولة بالعالم هناك سياسة نقدية واضحة وهو ما لم يكن موجوداً في لبنان، وتم إيهام الناس بعملة صورية وكأنه بذلك يقول لنا إننا كنا نعيش في وهم bubble خلال العقود الثلاثة الماضية".
"دفعنا ثمن تثبيت الليرة"
كذلك أشارت الكيك إلى أن "الشعب اللبناني دفع ثمن تثبيت الليرة من اقتصاده ومن الديون ومن ودائعه، لذلك لا يمكنه اقتراح ردّ الودائع وفق سعر وهمي في حين دفع اللبنانيون ثمن السياسة النقدية التي اتّبعها من أموالهم الحقيقية". وسألت "كيف يُمكن التمييز بين ودائع بدولار تم تحويله من الخارج وودائع بدولار محوّل في لبنان"؟
كما أكدت "أنه لا يُمكن بناء حلول اقتصادية على أنقاض الثروة الفردية للمواطنين". ولفتت إلى"ان سلامة كرر السردية ذاتها عن أسباب الأزمة المالية، في حين أنها كانت نتيجة حتمية لما حصل".
ودائع المغتربين
من جهته، تحدّث الخبير الاقتصادي منير يونس عن مغالطات كثيرة وردت في كلام سلامة، لا سيما الجزء المتعلّق بالودائع. وقال للعربية.نت/الحدث.نت "هناك أدلة كثيرة تناقض كلامه أبرزها أموال المغتربين الذين حوّلوا دولاراتهم إلى المصارف واستقرّت في الودائع، والقسم الأكبر من هذه الودائع بالعملة الصعبة".
كما أضاف أن "نظام الدولرة كان سائداً في لبنان بنسبة 60 بالمئة، أي أن معظم التعاملات، لا سيما في القطاع الخاص كانت تتم بالدولار، وبالتالي تم إدّخارها بالدولار".
"ميزانية المركزي تُكذّب سلامة"
إلى ذلك، اعتبر يونس "أن ميزانية البنك المركزي تُكذّب ما قاله سلامه عن أنه أعاد الدولارات إلى المصارف، لأنه لا يزال في ميزانية مصرف لبنان ودائع مستحقة للقطاع المصرفي مسجلة بأكثر من ٨٠ مليار دولار، وهي بالأساس أموال الناس وجنى أعمارهم".
كما أوضح "أن حكومة الثنائي الشيعي التي كان يرأسها حسان دياب تتحمّل مسؤولية الانهيار المالي، لكن أساس المشكلة هي السياسة النقدية والمصرفية التي اتّبعها سلامة، والتي استخدم فيها أدوات تقليدية وغير تقليدية وغير قانونية مثل الهندسات المالية الشهيرة التي استولت على عشرات مليارات الدولارات من المودعين إلى المصارف ثم إلى البنك المركزي والتي وصفها صندوق النقد الدول بأنها تعاملات خطرة وتبيّن لاحقاً أنها تبددت".
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن "مصير أموال المودعين يرتبط بقانون الفجوة المالية الذي لا يزال يدرسه مجلس النواب ويتضمّن جملة بنود منها شطب بعض الودائع".
كما أضاف أنه يجري الحديث عن "شطب فوائد تُعرف بالفاحشة وودائع تُسمى بغير المشروعة أي أموالها مجهولة المصدر، فضلاً عن شطب ودائع تم تحويلها من الليرة إلى الدولار بعد الأزمة في خريف العام ٢٠١٩، إذ يبحث تسديدها وفق دولار يساوي ٤٠ ألف ليرة وليس بدولار يساوي ٨٩ الف ليرة كما هو الآن".
واعتبر أن "شطب الودائع يجب أن يقابله شطب لرساميل المصارف وإجراء تدقيق في ميزانيتها وميزانية مصرف لبنان من أجل تفكيك ألغاز التشابكات التي حصلت وتراكمت بين المصارف والمصرف المركزي وكان بنتيجتها تبديد أموال المودعين بأكثر من 100 مليار دولار".
شروط صندوق النقد الدولي
هذا ويشترط صندوق النقد الدولي إجراء تدقيق بميزانية المصارف والمصرف المركزي، وتحمّل البنوك التجارية مسؤوليتها بالأزمة أولا من خلال تصفير الرساميل لأنها تخلّفت عن تسديد ودائع الناس، وبالتالي لا يجوز خسارة المودعين قبل المصارف، وهو ما يحصل الآن في لبنان حيث يخسر المودعون في حين تتمسك المصارف بما تبقى من رساميل.
يذكر أنه في العام ٢٠٢٢ حذّر البنك الدولي في تقريره من أن الأزمة الاقتصادية في لبنان هي أسوأ أزمة من نوعها يشهدها العالم منذ خمسينيات القرن الـ19. وحمّل التقرير "طبقة النخبة" في لبنان مسؤولية تدبير الأزمة، لأنها استولت على الدولة منذ فترة طويلة وعاشت من ريعها الاقتصادي.


