منوعات

سر مقصورات الطائرات… لماذا ترفض الشركات قياس جودة الهواء؟

سر مقصورات الطائرات… لماذا ترفض الشركات قياس جودة الهواء؟

رغم الجدل المستمر حول الأبخرة والروائح واحتمال تسرب ملوثات إلى هواء المقصورة عبر نظام الهواء المنزوع من المحركات المعروف بـ(Bleed Air)، لا تُلزم شركات الطيران حتى اليوم بتركيب أجهزة مراقبة آنية لجودة الهواء على متن الطائرات.

تركز لوائح الطيران الحالية على معايير تصميم وتهوية عامة، وعلى التدريب والإبلاغ عند وقوع أحداث مثل ظهور دخان أو أبخرة داخل المقصورة سواء للركاب أو لطاقم الطيران، بينما تظل المستشعرات المباشرة والمراقبة المستمرة خياراً طوعياً واقتصادياً حساساً بالنسبة لشركات النقل.

في المقابل، تضغط نقابات الطيارين والمضيفين ومعاهد بحثية مستقلة نحو ضرورة تركيب أجهزة قياس آنية وموثوقة لجودة الهواء داخل الطائرات، فيما تطور شركات تقنية حلولاً معتمدة مثل "Teledyne ACES" وقد تم تركيبها لدى عدد من الطائرات.

وبحسب موقع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية، فإن الهواء الموجود داخل مقصورات الطائرات، أفضل من الهواء في المكاتب والمنازل، وتلزم الشركات بالإبلاغ عن الحوادث حال تسرب أدخنة أو روائح داخل المقصورة.

كيف يصل الهواء إلى المقصورة؟

معظم الطائرات التجارية الحديثة تزود المقصورة بمزيج من الهواء الخارجي المضغوط من ضواغط المحرك (Bleed Air) والهواء المعاد تدويره عبر مرشحات جسيمات عالية الكفاءة تعرف اختصاراً بـ(HEPA). وتبدل كتلة الهواء داخل المقصورة عادةً 20–30 مرة في الساعة، وتزيل مرشحات HEPA نحو 99.97% من الجسيمات الدقيقة، مع إمكانية إضافة طبقة كربون نشط لامتصاص المركبات العضوية المتطايرة.

الاستثناء الأبرز هو طائرة بوينغ 787 التي تعتمد معمارية "Without Bleed Air" ويستخدم ضواغط كهربائية لتغذية المقصورة مباشرة، ما يقلل التعقيد والمخاطر المرتبطة بالنزيف التقليدي.

لماذا تثار المشكلة؟

في حالات نادرة وغير مواتية، قد يتسرب زيت المحرك أو سوائل هيدروليكية أو عوادم الـAPU إلى مسار الهواء المنزوع؛ يطلق الطيارون والمضيفون على ذلك "حدث أبخرة أو روائح"، وقد توصف روائح الزيت بأنها تشبه "الجوارب المتسخة" أو "عفنة أو لاذعة"، مع أعراض حادة مثل الصداع والدوار واضطراب الإدراك.

بحسب تقرير لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية تتزايد المخاوف من أن الهواء الملوث داخل مقصورات الطائرات التجارية قد يكون سبباً في أمراض قاتلة، وذلك بعد تحقيق موسّع كشف عن مزاعم تربط بين أبخرة سامة وتلف في الدماغ ونوبات قلبية وحتى حالات انتحار بين أفراد أطقم الطيران.

وتقول عائلات إن التعرض لما يعرف بـ"حوادث الأبخرة" – وهي حالات يتسرب فيها زيت المحركات الساخن أو سوائل أخرى إلى نظام تزويد الهواء – أدى إلى إصابة طيارين ومضيفين جويين كانوا يتمتعون بصحة جيدة بأمراض خطيرة أو إلى وفاتهم، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "dailymail" البريطانية.

في المقابل، ترفض صناعة الطيران بشدة وجود علاقة سببية مباشرة، مؤكدة أن هواء مقصورات الطائرات آمن ويلبي المعايير الصحية المعتمدة.

تشترط اللوائح الخاصة بهيئة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) أن تكون المقصورة "خالية من تراكيز ضارة أو خطرة من الدخان/الأبخرة" في الظروف الطبيعية وفي حالات الفشل المحتملة، وتحدد معدلات تهوية دنيا، وتستند إلى تقارير "الصعوبة الخدمية" (SDRs) في حالة وقوع مثل تلك الأحداث. غير أن الـFAA لا تلزم بوجود مستشعرات دائمة لجودة الهواء حتى الآن، رغم تضمين قانون إعادة تفويض FAA لعام 2024 بنوداً لدراسة الملوثات وتطوير مواد تدريب وإجراءات إبلاغ موسعة؛ وقد دشنت كذلك صفحة ومواد تعليمية رسمية لتوحيد الاستجابة والإبلاغ.

بينما في أوروبا فقد موّلت "EASA" أبحاث لتوصيف هواء المقصورة عند تلوثه بزيت المحرك باستخدام منصات محاكاة مثل (BACS)، وخلصت تقارير قياس جوي إلى أن جودة الهواء في الظروف العادية "مماثلة أو أفضل" من بيئات داخلية أخرى، مع الاعتراف بثغرات في توصيف أحداث التلوث الحاد وقياسه أثناء الطيران.

في الوقت نفسه يناقش الكونغرس الأميركي مشروع قانون يعرف باسم "Cabin Air Safety Act" (S.615/2023) لإلزام الناقلات بتركيب أجهزة كشف وتدريب قياسي والاستجابة للأحداث، لكنه ظل في مرحلة "مشروع قانون مقدم" ولم يتحول إلى قانون فاعل حتى تاريخ هذا التقرير.

4 أسباب وراء تردد الشركات في تركيب أجهزة مراقبة الهواء:

1. الكلفة والجدوى التشغيلية

تثبيت أجهزة مراقبة موزعة في المقصورة والقمرة ونقل بياناتها سحابياً يعني استثمارات رأسمالية وصيانة دورية ومعايرة صارمة، بينما تعمل شركات الطيران بهوامش ربحية ضيقة؛ وتشير أوراق صناعية إلى أن وقوع خطر تسرب أبخرة، هو أمر نادر تقريباً يحدث مرة أو اثنتين لكل 10,000 رحلة وفق دراسات الاتحاد الدولي للطيران وهيئة الطيران الفيدرالية الأميركية، ما يجعله من منظور مالي مخاطر منخفضة الاحتمال مقارنة ببنود إنفاق أكثر إلحاحاً.

2. التعقيد الفني والاعتمادية

قياس الملوثات العضوية المتطايرة (VOCs)، ومركبات الفوسفات العضوية (مثل TCP)، وأول أكسيد الكربون أثناء تغير الضغط والحرارة والرطوبة تحد تقني؛ إذ حددت دراسات "FAA" مؤشرات وعدداً من المستشعرات الواعدة لكنها شددت على الحاجة لاختبارات محاكاة على منصات محرك/منظومة ECS قبل تعميمها على الأسطول.

3. مخاوف قانونية وسمعة

لفت محامون إلى أن وجود بيانات موثقة تظهر اختلال جودة الهواء قد يفتح الباب لدعاوى مسؤولية مدنية (Tort) أو تعويضات مهنية للطاقم.

في المقابل، تجادل الشركات والهيئات بأن البيانات التاريخية تظهر جودة هواء "جيدة" عادةً، وأن الإلزام بتركيب المستشعرات يجب أن يأتي عبر تنظيم اتحادي واضح لا عبر محاكم والنظر فيها حالة بحالة، بحسب ما نقله موقع "Law Commentary"، واطلعت عليه "العربية Business".

4. غياب إلزام تنظيمي صريح

حتى الآن، لا توجد قاعدة ملزمة دولياً لتركيب حساسات جودة الهواء المباشرة؛ المعايير الحالية تركز على (التصميم/التهوية/التدريب) والإبلاغ وليس على قياس آني خلال كل رحلة. لذلك تميل الشركات للالتزام بالحد الأدنى اللائحي ما لم يفرض تغيير تشريعي.

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة "United" سكوت كيربي: "هذه مسألة كنت مركزاً عليها شخصياً لأكثر من عقد. لدى يونايتد برنامج صيانة استباقي لمراقبة استهلاك الزيت وضغطه واستبدال موانع تسرب الـAPU لمنع الأبخرة". وأضاف أن المشكلة ليست مقلقة في الطائرات الأحدث مثل 787 ذات التصميم المختلف، وفقاً لما ذكره لموقع "Toxic Cabin Air".

فيما قال الرئيس التنفيذي لـ"Frontier" باري بيفل: "نحن نتابع قضية الأبخرة السامة، لكن الحوادث نادرة جداً". تشغل الشركة أسطولاً من طائرات "إيرباص".

يقرأون الآن