كتبت فرح منصور في "المدن":
لم يكد لبنان يخطو الخطوة الأولى نحو إقفال ملف السّجناء السوريين بعد إقرار وتوقيع "اتفاقيّة المحكومين"، حتى خرج إلى الواجهة السياسية - القضائية ملف نظرائهم اللبنانيين. يسود شعورٌ بالغبن وسط السجناء اللبنانيين، وتحديدًا أولئك الذين يشتركون في القضايا نفسها مع السجناء السوريين. هذا الشعور بدأ يخرج شيئًا فشيئًا إلى العلن، وسط حديث عن دراسة القيام بخطوات تُنصف هؤلاء أكانوا على الأراضي اللبنانية أو على الأراضي السورية.
واحدٌ من فصول خروج الملف إلى العلن هو التحركات التي تشهدها السجون بالتزامن مع احتجاجات واعتصامات في مناطق مختلفة من لبنان، آخرها اعتصام أهالي الموقوفين الإسلاميين في بلدة جب جنين في البقاع الغربيّ.
ينقسم السجناء اللبنانيون المعنيون بهذه القضايا إلى قسمين: الأول قسم مدان بالقتال ضد الجيش وبعض التهم مثل الإرهاب. وقسم لا يزال موقوفًا منذ سنوات وينتظر أن يبت القضاء بمصيره. لكن المطالب تشمل أيضًا اللبنايين المحكومين الموجودين على الأراضي السورية، وهؤلاء الذين يُصطلح على تسميتهم في سوريا بـ"رفاق السلاح".
يركز الإسلاميون على "رفاق السلاح" الذين طالتهم أحكام وتحديدًا أولئك الذين لم يقاتلوا الجيش اللبناني، بل كانوا إلى جانب فصائل المعارضة ضد نظام بشار الأسد.
المتغير السياسي يفرض نفسه
فرض المتغيّر السياسي في سوريا نفسه على أجندة السّجناء اللبنانيين والسّوريين على حدٍّ سواء والمحكومين غيابيًّا. إذ إن كثيرًا من الموقوفين والمحاكمين أوقِفوا وحوكموا على خلفية دعمهم للثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، وقسم كبير منهم يقول إنه واجه اتهامات لم ينخرط بها، وذلك لمجرد مناصرته الثورة السورية.
يعيد ذلك إلى الأذهان فترة التوقيفات التي تعرض لها كثير من اللبنانيين والسوريين بين عامي 2012 و2016، وكان كثير منهم قد أدين بالإرهاب لمجرد انتمائهم لتنظيم "جبهة النصرة"، والتي كان يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أن تتحول قبل سقوط الأسد إلى "هيئة تحرير الشام"، والتي سيطرت على العاصمة السورية، وكان ضمن صفوفها لبنانيين شاركوا في القتال ضد نظام الأسد حتى سقوطه في الثامن من كانون الأول عام 2024.
يدفع هذا الإنقلاب في المشهد السوري إلى رفع السجناء اللبنانيين مطالبهم بضرورة إنصافهم، إما بإعادة محاكمتهم، خصوصًا أن كثيرًا منهم يعتبر أنه تعرض لمحاكمة سياسية بسبب هيمنة حلفاء الأسد على السلطة بكامل أجهزتها الأمنية والقضائية. وهذا يدفع إلى أن يكون لبنان أمام استحقاق قضائي - سياسي جديد. إذ بدأ يخرج إلى المشهد حراك تزامن مع إقرار الاتفاقية اللبنانية - السورية، وكانت بدايته في مقطع الفيديو المُصور في سجن رومية والذي شارك فيه الشيخ أحمد الأسير وعدد من السجناء الإسلاميين الذين أوقفوا في فترة الثورة السورية. ومن مشاهد الحراك هذه التجمعات والاعتصامات التي خرجت في بيروت وطرابلس والبقاع للمطالبة بإيجاد حل لهؤلاء السجناء.
يوضح مصدر قضائي لـ"المدن" إن الجهات المعنية منكبة على العمل منذ الانتهاء من صياغة الاتفاقية مع سوريا من أجل استيعاب أي حراك بشأن الموقوفين والمحكومين الإسلاميين، وتحديدًا الذين كان ظاهر توقيفهم أو محاكمتهم أمنياً لكن باطنه سياسي. وهذا ما فتح النقاش لوضع حلول مقترحة، منها تخفيض السنة السجنية، أو الإسراع في إنجاز المحاكمات، وحتى إمكانية إصدار "عفو عام" يراعي الخصوصية اللبنانية ويستثني بعض القضايا التي قد تسبب حساسية في المشهد السياسي مثل القتال ضد الجيش أو قتل العسكريين أو تجارة المخدرات في لبنان والدول العربية. وهذا قد يشمل المحكومين اللبنانيين في لبنان أو خارجه مثل الموجودين في سوريا.
مطالبة بالـ"العدالة الانتقالية"
يكشف المحامي محمد صبلوح، وهو وكيل عدد من السجناء الإسلاميين اللبنانيين والسوريين، في حديثه لـ"المدن" أنّ العدد الإجمالي للسجناء الإسلاميين المتهمين بـ"الإرهاب" هو 250، منهم 93 لبنانيًّا، و100 من حاملي الجنسية السورية. وسينتقل 80 من السجناء السوريين إلى سوريا بموجب الاتفاقية القضائية، وذلك كونهم صاروا من المحكومين، وسيبقى 20 فقط في السجون اللبنانية، كونهم لم تصدر أحكام بحقهم بعد.
يؤكد صبلوح أن مطالب السجناء الإسلاميين واضحةٌ: إمّا تخفيض السنة السجنية وتحديدًا لذوي الأحكام المؤبدة والإعدام. كذلك فإن التخفيض قد يستفيد منه كثيرون من الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن لمدة 10 أو 15 عامًا، ما يتيح الإفراج عنهم من دون إصدار قانون عفو وتعقيداته السياسية. وإما إصدار قانون عفو عام يشمل الموقوفين السياسيين منهم.
كذلك يتطرق صبلوح إلى قضية اللبنانيين المحكومين غيابيًّا والموجودين في سوريا، ويؤكد أن أكثر الأحكام الصادرة بحقهم سياسية وأن أكثرهم خرج من لبنان إلى سوريا لمناصرة الثورة ولم ينخرط بأي قتال ضد الجيش اللبناني في أي مرحلة من مراحل الثورة. ويعتبر أنّ مطالب السجناء الإسلاميين وذويهم تشمل "إنصاف" هؤلاء المحكومين وإعادة النظر بقضاياهم أو استفادتهم من تخفيض السنة السجنية.
كما يؤكد أن كثيرًا من موقوفي عبرا وعرسال وطرابلس ومجدل عنجر أو حتى الموجودين في سوريا حُكموا بتهم لا علاقة لهم بها ولم ينخرطوا بأيّ عمل مُسلّح أو قتال ضد الجيش اللبناني، لكنّهم أوقفوا لمجرد وقوفهم إلى جانب الشعب السوري في ثورته وكثيرٌ منهم أدين بـ"الإرهاب" لمجرد انتمائه إلى "جبهة النصرة"، وهذا جوهر المتغير السياسي في ملف الموقوفين.
في السياق، يتطرق صبلوح بحديثه إلى المحكمة العسكرية، وهي الجهة المختصة بمحاكمة قضايا الإرهاب وإطلاق النار والقتال ضد الجيش. مؤكدًا أن رئيس المحكمة العسكرية العميد وسيم فياض يتعاون بشكل تام وإيجابي، على عكس رئيسها السابق العميد منير شحادة، والذي، بحسب صبلوح، كان يقارب المحاكمات من نظرةٍ سياسية ضد الثورة السورية.
ويشير إلى إنّ السجناء اللبنانيين الإسلاميين يقومون بتحركات احتجاجية كردّة فعل على عدم إنصافهم. مؤكدًا أن هؤلاء لا يريدون "حكم البراءة" بل يريدون "العدالة" والتي من أوجهها معاملتهم بالمثل مع نظرائهم السوريين، أو محاكمة من لا يزال موقوفًا منهم. وهنا يكشف أنّ بعض الإسلاميين لا يزالون بحكم الموقوفين منذ أكثر من 13 سنة ولم يخضعوا لمحاكمة حتى هذه اللحظة. فالمطلب هو "العدالة الانتقالية" التي تعترف بها المؤسسات الأممية والحقوقية. ومنها أن يعاد النظر بالأحكام والقضايا ومحاكمة من لم ينل حكمًا لكن بعدلٍ وإنصاف بعيدًا عن السّياسة.
المفتي يعدُ خيرًا
وسط الحراك داخل السجون وخارجها، برز موقف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي أكد أمام وفد من ذوي الموقوفين الإسلاميين أنه وضع ملفهم على أولوياته. ووعد بمتابعة العمل على القضية لمعالجتها بشكلٍ كامل. إذ شكل كلام مفتي الجمهورية دافعًا للسجناء لتعليق إضرابهم عن الطعام، والذي بدأوه قبل أكثر من أسبوعين بالتزامن مع إقرار الاتفاقية اللبنانية - السورية.
وبحسب معلومات "المدن" فإن الأيام المقبلة ستحمل أولى الخطوات للبدء بتنفيذ الاتفاقية بين بيروت ودمشق، إذ من المتوقع أن يُسلّم إلى سوريا خلال شهر رمضان الجاري حوالي 50 محكومًا من أصل 270 الذين تشملهم الاتفاقيّة، ليكونوا الدفعة الأولى التي ستُسلم للسلطات السورية، على أن يليها دفعة أخرى بعد عيد الفطر. وهذا ما قد يدفع الموقوفين الإسلاميين وذويهم للتحرك مجددًا.


