مع إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيهاً بفتح تحقيق في واردات النحاس تحت ذريعة "الأمن القومي"، فالأمر يتجاوز كونه إجراءً جمركياً تقليدياً، ليضع الأسواق العالمية على أعتاب مرحلة جديدة من التصعيد التجاري.

يوم الثلاثاء الماضي، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيهات لوزارة التجارة بفتح تحقيق في واردات النحاس لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وإذا توصل التحقيق إلى أدلة على إغراق السوق، فسوف يسمح لإدارته باتخاذ تدابير انتقامية، بما في ذلك فرض رسوم جمركية أو حصص.

ووصف تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية ذلك التحقيق بأنه "يمهد الطريق لفرض رسوم جمركية على واردات المعدن مع توسيع الرئيس لنطاق حملته الحمائية".

ونقل التقرير تصريحات المستشار البارز لترامب في مجال سياسة التجارة والتصنيع، بيتر نافارو، التي قال فيها: "سترون أن وزير التجارة الجديد هوارد لوتنيك سيتحرك بأسرع وقت ممكن، وسينقل نتائج تحقيقه إلى مكتب الرئيس لاتخاذ إجراءات محتملة".

يأتي التحقيق في الوقت الذي يتزايد فيه قلق المستثمرين بشأن كيفية تأثير تهديدات ترامب الشاملة بالرسوم الجمركية على الاقتصاد الأميركي.

يمثل إعلان ترامب أحدث خطوة تتخذها الإدارة الجديدة لإعادة تشكيل العلاقات التجارية بين البلاد والعالم.

استخدم ترامب نتائج تحقيق مماثل لفرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم في العام 2018. وقال إنه سيعيد فرض الرسوم الشهر المقبل.

كما كشف الرئيس الأميركي عن رسوم جمركية تستهدف بشكل مباشر شركاء الولايات المتحدة التجاريين، بما في ذلك كندا والمكسيك والصين. وهو يخطط لفرض ما يسمى "الرسوم الجمركية المتبادلة" على الدول التي تفرض رسوما على الولايات المتحدة.

لم يذكر البيت الأبيض المدة التي قد تستغرقها التحقيقات بشأن النحاس أو موعد فرض الرسوم الجمركية.

بموجب التشريع، يتمتع وزير التجارة بـ 270 يومًا لإعداد تقرير، لكن المسؤولين أشاروا إلى أن لوتنيك ينوي التحرك بسرعة.

يعد النحاس عنصراً أساسياً في البناء والنقل والإلكترونيات. وقد أضافته وزارة الطاقة الأميركية إلى قائمة المواد الحيوية في العام 2023 بسبب الطلب المتزايد بسرعة على تقنيات الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية، من بين مجالات أخرى. كما يُستخدم على نطاق واسع في الأسلحة.

قرار ترامب

من جانبه، يقول خبير اقتصاديات الطاقة، نهاد إسماعيل، في تصريحات خاصة لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن:

الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمر وزارة التجارة بإجراء تحقيق في الاستيراد لسلعة النحاس والمشتقات النحاسية.

يأتي الأمر التنفيذي تحت الفصل 232 من قانون توسيع التجارة الذي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لفرض تعريفات جمركية على السلع المستوردة، وتقييد التصدير والاستيراد، وتقديم حوافز لتشجيع شركات التنقيب وتصنيع النحاس على زيادة الإنتاج وتعزيز القدرة على التصدير.

الهدف هو حماية الإنتاج المحلي من المنافسة، خاصة من الصين، التي تتهمها واشنطن بممارسات غير عادلة في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة، ومن بين تلك التهم الإغراق بسلع مثل النحاس بأسعار رخيصة، مما يضر بالإنتاج الأميركي.

الهدف الآخر هو حماية الأمن القومي

تفاعلت الأسواق مع الأمر التنفيذي وارتفعت الأسعار في بورصة لندن للمعادن، وبنسب أعلى في بورصة شيكاغو للعقود الآجلة، كما ارتفع النحاس في بورصة نيويورك (كومكس).

كما ارتفعت أسهم شركات التنقيب عن النحاس وتكريره مثل شركة فريبورت ماكموران.

ويلفت إلى أن "أمر الرئيس ترامب التنفيذي قد أحدث ضجة واضطراباً في الأسواق، وتُعد هذه الخطوة تمهيدية لفرض تعرفة جمركية على النحاس المستورد، وتأتي في إطار سياسة ترامب بفرض تعريفات جمركية على كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي والصين"، مشدداً على أن أهمية النحاس تتجلى كمعدن يدخل في صناعات عديدة وهامة مثل الكهرباء والأسلاك والكوابل والسيارات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية، علاوة على توربينات الرياح ومراكز البيانات الحاسوبية، وغيرها من الصناعات.

ويضيف: لا توجد معلومات حتى الآن عن نسبة التعرفة الجمركية أو موعد دخولها حيز التنفيذ، لكن من المؤكد أن التوتر التجاري سيزداد، مما سيرفع الأسعار ويدفع المستثمرين إلى الإسراع بتوقيع العقود الآجلة قبل دخول التعرفة الجمركية حيز التنفيذ في الشهور المقبلة.

تخبط تصريحات ترامب حول الرسوم الجمركية يخلط أوراق الأسواق

تستورد الولايات المتحدة نحو 45 بالمئة من النحاس الذي تستهلكه، وفقاً لبحث أجراه بنك آي إن جي.

تعد تشيلي وكندا أكبر مورديها ـ حيث توفران 35 و26 بالمئة من الواردات على التوالي ـ وسوف تكونان الأكثر تضرراً من أي رسوم.

كانت الولايات المتحدة أكبر منتج للمعدن في منتصف القرن الماضي، لكنها تراجعت منذ ذلك الحين إلى المركز الخامس.

يقول مسؤولون في البيت الأبيض إن ترامب يريد إعادة البلاد إلى موقع الريادة في هذه الصناعة.

وقال لوتنيك يوم الثلاثاء "لقد حان الوقت لعودة النحاس إلى الوطن. فمثل صناعاتنا من الصلب والألمنيوم، تعرضت صناعة النحاس الأميركية العظيمة للدمار بسبب مهاجمة جهات عالمية لإنتاجنا المحلي".

تهديد أميركي

وتقول استاذ الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، في تصريحات خاصة لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

لا شك أن مآلات المشهد تُشير بوضوح إلى تصاعد التهديد والوعيد جراء الممارسات غير المألوفة للإدارة الأميركية، المتمثلة في فرض مزيد من الإجراءات الحمائية القادمة على واردات الولايات المتحدة من النحاس.

هذه السياسات من شأنها رفع أسعار النحاس، باعتباره سلعة وسيطة تدخل في صناعات حيوية مثل السيارات الكهربائية والمعدات العسكرية وأشباه الموصلات، مما سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، ويدفع بمعدلات التضخم إلى مزيد من الارتفاع، الأمر الذي سيضر بقدرة الولايات المتحدة على التنافس في الأسواق العالمية.

لقد قاد "الزحف الترامبي" إلى زعزعة النظام العالمي، محدثاً خللاً في التوافقية والتوقعية لحسابات الربح والخسارة، ما يعني أن الجميع سيكون خاسرًا، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والصين.

تشهد أسواق العقود الآجلة لمعدن النحاس حالة من الاضطراب (..) ضمن حلقة من سلسلة الضغوط الأميركية التي يمارسها ترامب لتغيير بوصلة التجارة العالمية قسراً، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد لأسواق النحاس، التي تهيمن عليها الصين.

تأتي هذه الخطوة لتضر بكندا والمكسيك، باعتبارهما أكبر مُصدري النحاس ومواده إلى الولايات المتحدة، فيما ترى الإدارة الأميركية أن هذه التعريفات الجمركية ستحد من الدعم والتحفيزات الصينية لتصدير النحاس.

وتستطرد: لكن، من وجهة نظرنا، يبدو أن صانع القرار الأميركي يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية، وهو ما يعيد إلى الأذهان تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست). فالاعتماد على جباية الرسوم الجمركية كدعامة للاقتصاد يعد طرحًا قاصرًا، وغير مستدام على الإطلاق.

الأمن القومي الأميركي

وفي هذا السياق، ذكر موقع "أكسيوس" أن:

البيت الأبيض يقول إن واردات النحاس السنوية التي تقدر بمليارات الدولارات تهدد الأمن القومي، نظراً للدور الحاسم الذي يلعبه المعدن في بناء المركبات العسكرية والطائرات وغيرها.

"تعتمد الصناعات الأميركية على النحاس، وينبغي أن يتم تصنيعه في أميركا. لا إعفاءات ولا استثناءات"، بحسب وزير التجارة.

في العام الماضي، صدرت الولايات المتحدة ما قيمته 11 مليار دولار من النحاس، في حين استوردت ما قيمته نحو 9.5 مليار دولار من النحاس من دول أجنبية، وفقا لبيانات وزارة التجارة الصادرة في وقت سابق من هذا الشهر.

لا يتخذ أمر ترامب الصادر يوم الثلاثاء أي إجراء حاسم. بل إنه يمثل بداية تحقيق بموجب المادة 232 والذي قد ينتهي (أو لا ينتهي) بتوصية بفرض معدل تعريفة جمركية معين على واردات النحاس.

استمرت هذه التحقيقات تاريخيا لسنوات، لكن مستشار البيت الأبيض التجاري الكبير بيتر نافارو قال للصحافيين إن هذه العملية سوف تتحرك بشكل أسرع.

يقرأون الآن