مع تسارع الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة اللبنانية فيما يتعلق بتطبيق حصر السلاح بيد الدولة، وخاصة بعد تكليف الجيش بإعداد خطة يتوقع تقديمها غدا الأحد 31 أغسطس/ آب، أصبح حزب الله تحت ضغط كبير؛ بسبب محدودية الخيارات أمامه لمنع نزع سلاح.
ويقول موقع "المونيتور"، إن المطالب الأميركية والإسرائيلية للحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، فرضت ضغوطا غير مسبوقة على الجماعة المدعومة من إيران، ولم تترك لها خيارات كثيرة سوى المواجهة أو التنازل أو التأخير المدروس لتجنب نزع السلاح القسري.
ويرى التقرير أن الحزب الذي يواصل رفض دعوات نزع سلاحه غير المشروط، بدأ يطالب بحوار وطني حول استراتيجية دفاعية شاملة، ولكنه يشترط في المقابل انسحاب إسرائيل أولا من الأراضي اللبنانية التي تحتلها ووقف الضربات العسكرية على لبنان، وهي الخطوة التي يراها بعض المحللين بمثابة تكتيك للمماطلة، وفق "المونيتور".
حسابات حزب الله
وفي ظل الضغوط المتزايدة لنزع السلاح، أكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم مراراً أن جماعته لن تتخلى عن أسلحتها، محذراً الحكومة اللبنانية من التدخل الأميركي.
وقال في خطاب ألقاه مؤخرا: "اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا آثمًا بنزع سلاح المقاومة. لن نتخلى عن السلاح الذي عززنا"، وأضاف: "إذا استمرت هذه الحكومة بشكلها الحالي فلا يمكن الثقة بها في الحفاظ على سيادة لبنان".
ورغم تعنت حزب الله، يعتقد الخبراء أن الجماعة لا تملك سوى خيارات قليلة لمنع الحكومة من الاستيلاء على أسلحتها. ويقول ديفيد وود، المحلل البارز في شؤون لبنان لدى مجموعة الأزمات الدولية ومقرها بيروت، لموقع "المونيتور"، إن حزب الله لديه في هذه المرحلة ثلاثة خيارات أساسية: دعوة مؤيديه إلى الاحتجاجات الجماهيرية، أو الضغط على خمسة وزراء رئيسيين - أربعة منهم مقربون من حزب الله أو أمل وواحد شيعي محايد - للاستقالة، أو اللجوء إلى استخدام القوة ضد الجيش.
ومن شأن هذا الخيار الأخير، أن يعكس استجابة حزب الله للضغوط التي واجهته من عام 2006 إلى عام 2008، عندما تحدت الجماعة الحكومة اللبنانية بشأن محاولات الحد من نفوذها. وقد أدى ذلك إلى اندلاع احتجاجات واشتباكات مسلحة بين مقاتليه ومنافسيه من معسكرات سياسية أخرى، وبلغت ذروتها في مواجهات مع تيار المستقبل السني في مايو/أيار 2008.
وحينها، أثبت حزب الله قوته السياسية والعسكرية بالسيطرة على أجزاء من غرب بيروت، ولم يتدخل الجيش. كما أظهرت تلك الأحداث قدرة الحزب على توجيه سلاحه ضد خصوم آخرين، وليس فقط ضد الجيش اللبناني. وتم حل الأزمة من خلال اتفاق الدوحة بوساطة قطر في عام 2008، مما أنهى الأزمة السياسية عبر انتخاب الرئيس ميشال سليمان وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
احتجاجات مؤجلة
حتى الآن، لم يشهد لبنان سوى بضع احتجاجات صغيرة ومعزولة. وأُجِّلت إلى أجل غير مسمى مظاهرة حاشدة كان حزب الله وحركة أمل يخططان لها هذا الأسبوع في بيروت، وذلك "انطلاقًا من الشعور بالمسؤولية الوطنية في ظل الظروف الراهنة، واستجابةً لرغبة الجهات الوطنية الحريصة على وحدة الصف وحفظ الاستقرار، ولإتاحة المجال لحوار معمق وبنّاء حول القضايا المصيرية التي تواجه وطننا"، حسبما جاء في بيان للحزبين.
وقال وود: "يريد حزب الله الاحتفاظ بسلاحه، وفي الوقت نفسه، تجنب اعتباره معرقلاً للتقدم نحو إنهاء دائم للأعمال العدائية مع إسرائيل أو مواجهاً للجيش اللبناني، مع علمه بأن معظم اللبنانيين سيقفون إلى جانبه".
وأضاف: "إنهم ينتظرون رؤية خطة الجيش التنفيذية، والتطورات الأخرى في لبنان والمنطقة، ونتائج الدبلوماسية الأميركية. في الوقت الحالي، يحاول حزب الله عدم إثارة المشاكل، ويأمل في كسب الوقت"، مؤكدا أن اللعب على الوقت هو أفضل رهان لحزب الله، على الأقل على المدى القريب.
ورقة الطائفية
من جانبه، أشار نيكولاس بلانفورد، وهو زميل غير مقيم في المجلس الأطلسي بواشنطن، إلى أنه فيما يتعلق بقضية نزع السلاح، لا يزال الحزب يتمتع بدعم ساحق في أوساط المجتمع الشيعي، بما في ذلك من قِبَل كثيرين ممن لا يدعمون حزب الله. ويرى هؤلاء المؤيدون على نطاق واسع أن نزع سلاح الجماعة محاولة طائفية لإضعاف المجتمع ككل.
وقال بلاندفورد، لموقع المونيتور: "سواءً كان ذلك صحيحًا أم خاطئًا، فإن هذا الشعور واضحٌ جدًّا لدى الطائفة الشيعية في لبنان. لذا؛ يُعدّ هذا أمرًا إيجابيًّا لحزب الله، ويمكنهم استغلاله".
وفقًا لاستطلاع رأي أجراه الباروميتر العربي في يوليو 2024، يُبدي 30% من اللبنانيين "ثقة عالية" بحزب الله، بينما قال 55% إنهم لا يثقون به. ويُقسّم هذا الرقم حسب الطوائف: 85% من الشيعة يثقون بالحزب، و9% من السنة، و9% من الدروز، و6% من المسيحيين.
التأخير المستمر
وبحسب تقرير المونيتور، فإن حزب الله قد يستجيب أيضاً للضغوط الأميركية على الحكومة بالتقاعس، مستغلا الضغط الواقع على الحكومة بتأخير تسليم سلاحه، وقال بلانفورد إن حزب الله يعلم أن الحكومة لا ترغب في الاستيلاء على سلاحه بالقوة والتسبب في حرب أهلية أخرى، وقد يؤدي هذا إلى خلق حالة من الجمود، حيث يلجأ حزب الله إلى استراتيجية التأخير المستمر.
وقال قاسم قصير، المعلق السياسي المعروف بصلاته بحزب الله، إنه إذا أصرت الحكومة على نزع السلاح، فإن "البلاد سوف تدمر؛ لأن الحزب مصمم ولن يتراجع عن قراره بعدم تسليم سلاحه مهما كانت العواقب"، وأضاف أن "قرار الحكومة بوضع الجيش في مواجهة المقاومة خطأ استراتيجي قد يؤدي إلى انهيار الدولة برمتها"، وفق تعبيره.
خيارات الحكومة
على الرغم من التقدم الذي أحرزته الحكومة اللبنانية، إلا أنها، كحزب الله، تجد نفسها أيضًا أمام خيارات محدودة. في أفضل الأحوال، سيتعاون حزب الله في جهود نزع السلاح، لكن هذا يبدو مستبعدًا. لذا؛ سيضع رفضه الحكومة أمام خيارين صعبين: مواجهة حزب الله، أو المخاطرة بالتصعيد مع إسرائيل.
وقال وود: "حاول الرئيس عون ورئيس الوزراء سلام حتى الآن تجنب المواجهة المباشرة مع حزب الله، مفضلين التسوية. لكن إذا تباطأت الحكومة في نزع السلاح، فقد تفقد إسرائيل صبرها وتوسّع عملياتها العسكرية على نطاق واسع في جميع أنحاء لبنان، كما فعلت قبل عام".
ويحذر بلانفورد من أن التصعيد الخطير قد يدفع حزب الله أيضاً، ربما بدعم من إيران، إلى الرد، وهو ما امتنعت المجموعة عن القيام به حتى الآن ردًّا على الضربات الإسرائيلية شبه اليومية منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني.
ويبدو أن إيران تدعم حزب الله في رفضه نزع سلاحه، كما هو الحال مع إسرائيل. وقد أكدت ذلك علنًا تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين. ومع ذلك، من غير المرجح أن يقوم حزب الله بعمل عسكري مباشر ضد الدولة اللبنانية.