يبدو أن سرّ العيش حتى عمر المئة وما بعده قد يكون مكتوباً في الدم. فقد كشفت أبحاث علمية حديثة أن دم المعمّرين -وخاصة من تجاوزوا سن 100 و110 أعوام- يحمل بصمات بيولوجية فريدة تميّزهم عن بقية البشر، وقد تلعب دوراً وقائياً ضد الشيخوخة والأمراض المزمنة.
وبحسب تقرير علمي نشره موقع ScienceAlert، فإن الأشخاص المعروفين باسم superagers (المعمّرين الاستثنائيين) يمتلكون تركيبة دموية مختلفة، تبدأ ملامحها الإيجابية بالظهور منذ سن الـ65، أي قبل عقود من بلوغهم أعماراً متقدمة جداً.
وتشير الدراسات إلى أن دم المعمّرين يحتوي على مستويات منخفضة من الدهون الضارة، ومؤشرات قوية على كفاءة الجهاز المناعي، إضافة إلى توازن مميز في الأيض (التمثيل الغذائي). ويرجّح العلماء أن هذه الخصائص قد توفّر حماية طويلة الأمد من أمراض القلب، والسرطان، والاضطرابات المرتبطة بالتقدم في السن.
ومن أبرز الأمثلة التي لفتت أنظار الباحثين حالة ماريا برانياس، التي توفيت عن عمر 117 عاماً، وكانت من أكبر المعمّرين في العالم. فقد أجرى فريق بحثي إسباني، بقيادة اختصاصيي الوراثة اللاجينية إلوي سانتوس-بويول وأليكس نوغيرا-كاستيلس، تحليلاً شاملاً لدمها وخلاياها، ونُشرت نتائجه هذا العام.
وأظهرت التحاليل أن خلايا برانياس كانت تتصرف بيولوجياً كما لو أنها أصغر بكثير من عمرها الحقيقي، مع جهاز مناعي نشط ومستويات متدنية جداً من الكوليسترول الضار.
مفاجأة غير متوقعة
والمثير للدهشة أن الباحثين لاحظوا تآكلاً كبيراً في التيلوميرات – وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات – رغم أن قصرها يُعد عادة مؤشراً سلبياً على الشيخوخة. لكن في حالة المعمّرين جداً، تشير الأدلة الحديثة إلى أن التيلوميرات القصيرة قد لا تكون عاملاً خطيراً، بل ربما منحت برانياس حماية غير مباشرة عبر الحد من تكاثر الخلايا السرطانية.
وكتب الباحثون في دراستهم أن "التقدم الشديد في العمر لا يعني بالضرورة تدهور الصحة"، في إشارة إلى أن الشيخوخة والمرض ليسا وجهين لعملة واحدة.
وفي السياق نفسه، كشفت دراسة صينية نُشرت في يوليو الماضي، وشملت 65 معمّراً، أن الأشخاص الذين تجاوزوا سن المئة يمتلكون مستويات أقل من الأحماض الدهنية وبعض المركبات الأيضية مقارنةً بالأشخاص الأصغر سناً. واعتبر الباحثون أن هذه المؤشرات قد تمهّد لتطوير ما يُعرف بـ"ساعات طول العمر" عبر تحاليل الدم.
وجاء في الدراسة أن "الملفات الأيضية للمعمّرين تختلف بشكل واضح عن الفئات العمرية الأخرى"، وهو ما قد يساعد مستقبلاً في فهم تنظيم الشيخوخة على المستوى الخلوي.
ورغم الدور المهم للجينات، يؤكد العلماء أن نمط الحياة يظل عاملاً حاسماً. فقد اتبعت ماريا برانياس نظاماً غذائياً متوسطياً غنياً بالزبادي، وهو ما انعكس على صحة ميكروبيوم الأمعاء لديها، الذي بدا "أصغر عمراً" من المتوقع.
ويرى الباحثون أن العديد من المركبات المرتبطة بطول العمر ترتبط بالتغذية، ما يفتح الباب أمام تدخلات غذائية أو دوائية تهدف إلى إبطاء الشيخوخة وتحسين جودة الحياة.
وحتى الآن، لا يوجد اختبار دم واحد قادر على التنبؤ بعمر الإنسان بدقة، نظراً لتداخل العوامل الوراثية والبيئية والصدفة. لكن دراسة دم المعمّرين قد تساعد في تحديد من يُعرفون بـ"المتقدمين سريعاً في العمر"، وهم الأكثر عرضة للأمراض المبكرة.
ويأمل العلماء أن تتحول هذه الاكتشافات مستقبلاً إلى استراتيجيات علاجية أو وقائية تتيح للإنسان أن يعيش عمراً أطول بصحة أفضل.


