منوعات

"الشمبانزي" يفسر سلوك المغامرة لدى المراهقين

من المعروف أن المراهقين لا يتورعون عن خوض المغامرات حتى لو كانت تنطوي على مخاطر، وقد أثبتت دراسات إحصائية في الولايات المتحدة أن هذه الشريحة العمرية أكثر عرضة للوفاة جراء الإصابات مقارنة بالأطفال الأصغر سناً، ولكن ما هي العوامل المسؤولة عن ارتفاع مدى الاستعداد للإقدام على المغامرات والمخاطر في مرحلة البلوغ؟

لتفسير الأمر، قام فريق من الباحثين في الولايات المتحدة بدراسة هذه الظاهرة في ضوء ملاحظة سلوكيات صغار الشمبانزي، على اعتبار أنها من أقرب الحيوانات إلى البشر سواء من الناحية الشكلية أو السلوكية، وبشكل عام خلصت الدراسة إلى أن إقدام المراهقين على المغامرة لا يكون من منطلق حب الخطر في حد ذاته، بل إن غياب الإشراف يدفعهم إلى انتهاز الفرص للإقدام على المخاطر.

وتقول الباحثتان لورا مالاتشي المتخصصة في مجال الأنثروبولوجيا بجامعة ميتشغان ولورن سارينجهاوس المتخصصة في علوم البيولوجيا بجامعة جيمس ماديسون في الولايات المتحدة: "لقد قمنا بدراسة سلوكيات المخاطر أثناء الحركة لدى الشمبانزي نظرا لأن دراسة سلوكيات البشر وهم يقومون بأفعال قد تعرضهم للخطر ليست أمرا أخلاقياً، كما أن القرود في البرية تحتاج للقفز بين الاشجار وكثيرا ما تكون على ارتفاعات شاهقة".

وقد لاحظ الباحث بروس موري، وهو طالب بجامعة ميتشجان، أن بعض الحركات التي تقوم بها القرود أثناء التنقل بين الأشجار أحياناً تكون أخطر من غيرها"، فعادة ما تتسلق القرود الأشجار الباسقة أو تتأرجح بين أغصانها، ولكنها دائما ما تقبض بقوة على الغصن أو الجذع لتفادي خطر الوقوع، غير أنه في بعض الأحيان، قد يقفز الشمبانزي دون الإمساك بأي أغصان مما يؤدي إلى سقوطه على الأرض وتعرضه لإصابات.

قفزات متهورة

وقد أظهرت سنوات من الملاحظة أن السقوط من أعلى يمثل سبباً رئيسياً للإصابات بل ونفوق قرود الشمبانزي في بعض الأحيان. وبعد رصد هذه السلوكيات، بدأ الباحثون يتساءلون عن سبب قيام بعض القرود بتلك القفزات المتهورة، وما إذا كان من الممكن رصد سلوكيات مشابهة لدى البشر، وطرحوا تساؤلات مثل هل يبدأ الشمبانزي في هذه المغامرات بمجرد الوصول إلى سن البلوغ، وهل تختلف هذه السلوكيات ما بين الذكور والإناث في ضوء أن الفتيان دائما ما يكونوا أكثر استعدادا لخوض المغامرات من الفتيات؟ وشملت الدراسة مجموعة من الشمبانزي يزيد عددها عن 100 قرد وتتراوح أعمارها ما بين عامين إلى 65 عاما وتعيش في متنزه نجوجو كيبالا الوطني في أوغندا.

وفي إطار الدراسة التي نشرها الموقع الإلكتروني The Conversation المعني بالأبحاث العلمية، وجد الباحثون أن قرود الشمبانزي التي تنخرط في أخطر الأفعال أثناء الحركة عادة ما تكون صغيرة السن (في المرحلة السنية ما بين عامين إلى خمسة أعوام) وأن معدلات القفز والسقوط لدى القرود عادة ما تتراجع مع تقدمها في السن. ومقارنة بالقرود البالغة (التي تزيد أعمارها عن 15 عاما) تتزايد احتمالات إقدام القرود الصغيرة (من عامين إلى خمسة) على تلك الأفعال الخطيرة بواقع ثلاثة أمثال، وأن النسبة تتراجع إلى مثلين ونصف في حالة القرود (من خمسة إلى عشرة أعوام)، ثم تتراجع إلى مثلين فقط في حالة القرود في الفئة العمرية ما بين (10 إلى 15 عاما). أما القرود التي تقل في العمر عن عامين، فعادة ما تقضي معظم أوقاتها متشبثة بأمهاتها، وبالتالي تم استبعادها من الدراسة. ولم يرصد الباحثون اختلافاً بين ذكور وإناث الشمبانزي من حيث فرص الإقدام على المخاطر أثناء الحركة بشكل عام.

ويرى الباحثون أن فترة المراهقة في حد ذاتها لا تمثل بالضرورة ذروة الإقدام على المخاطر بل هي النقطة التي يبدأ عندها التراجع في معدلات خوض المغامرات. ولكن تلاحظ لديهم أن أمهات الشمبانزي عادة ما تفقد القدرة على السيطرة على حركة صغارها ما بعد سن عامين، حيث يصبح الصغار أقل تمسكاً بأمهاتهم. كما تبين أيضا من مراقبة سلوكيات القفز والسقوط أن 82% من الصغار التي تسقط وتتعرض لحوادث في هذا السن تكون بعيدة عن منال الأمهات.

تراجع المراقبة

ولكن في حالة الانسان، يستمر إشراف الآباء على الصغار حتى مراحل لاحقة من العمر، وقد تجد في بعض المجتمعات أن هناك أكثر من شخص بالغ يتابع سلوكيات الصغار بجانب الآباء مثل الجد والجدة أو الأشقاء الأكبر سناً. ورغم أن سلوكيات الرقابة الأبوية تختلف باختلاف الثقافات، فلا شك أن السيطرة الأبوية تتراجع مع بلوغ الأطفال سن المراهقة. ويفترض الباحثون أنه عندما تتراجع مراقبة الآباء لسلوكيات الأبناء، فإن الصغار سوف يقومون بأفعال تنطوي على مزيد من المخاطر من الناحية البدنية حتى قبل وصولهم إلى سن البلوغ، وبالتالي فإن دراسة سلوكيات الشمبانزي تساعدنا في فهم دور الرقابة في الحد من السلوكيات الخطيرة لدى الانسان، فضلا عن معرفة الدور الذي يلعبه التطور والارتقاء بالإضافة إلى الثقافة في عملية تطور البشر.

ويعتقد فريق الدراسة أن إيجاد نوع من التوازن بين الرقابة الأبوية وإتاحة الفرصة للصغير كي يلعب هو مسألة معقدة وليس سهلة. ورغم أن الخوف من تعرض الصغار للإصابات هو مسألة بديهية، فإن الخدوش والجروح الطفيفة قد تكون جزءا طبيعيا من عملية النمو. ويحث بعض علماء الأنثروبولوجيا على ضرورة السماح للأطفال بممارسة بعض الألعاب الجريئة مثل قضبان التسلق باعتبارها وسيلة لاكتساب المهارات الحركية وتقوية عضلاتهم وهياكلهم العظمية.

يقرأون الآن