برزت اتهامات إيرانية علنية لإسرائيل بالوقوف خلف أعمال العنف التي رافقت موجة الاحتجاجات الأخيرة، في وقت شددت فيه طهران على أن الأوضاع الداخلية باتت تحت «السيطرة الكاملة»، مؤكدة أن السلطات تمكنت من احتواء التطورات التي شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية.
وقدمت الرواية الرسمية الإيرانية ما جرى على أنه خروج منظم عن إطار التظاهرات السلمية، عبر مجموعات وُصفت بأنها «عناصر عنيفة» مدعومة من جهات خارجية، سعت إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وجر البلاد إلى مواجهة أوسع. وأكدت طهران أن أعمال العنف لم تكن ناتجة عن الاحتجاجات بحد ذاتها، بل عن نشاط خلايا مرتبطة بالخارج، مشددة على أن الحكومة تعاملت مع التطورات «بأقصى درجات ضبط النفس».
هذه الاتهامات فتحت الباب أمام تساؤلات في الإعلام الإسرائيلي حول طبيعة الدور الذي قد تكون تلعبه تل أبيب داخل إيران، ولا سيما على المستوى الاستخباراتي. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة جيروزاليم بوست مقالًا تحليليًا تناول الفارق بين الموقف الإسرائيلي المعلن، الذي ينأى بنفسه عن الاحتجاجات، والتحركات المحتملة التي قد تجري بعيدًا عن الأضواء.
وبحسب المقال، يبذل الجيش الإسرائيلي والمؤسسة السياسية جهدًا واضحًا لتجنب الظهور طرفًا مباشرًا في الأزمة الإيرانية، خشية أن يؤدي ذلك إلى وضع إسرائيل في مرمى الرد الصاروخي الإيراني، ولا سيما الصواريخ الباليستية. إلا أن التساؤل المحوري الذي يطرحه التحليل يتمحور حول دور جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية الموساد.
يشير المقال إلى أن الموساد لم يعد يعمل داخل إيران بالدرجة نفسها من السرية التي ميزت نشاطه في السابق. ففي يونيو/حزيران 2025، شارك مئات من عناصره، وفق الصحيفة، في الحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يومًا، والتي أدت إلى إلحاق أضرار كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وأنظمة الدفاع الجوي، وأسفرت عن مقتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين الإيرانيين.
وعقب تلك الحرب، أصدر رئيس الموساد ديفيد برنياع بيانًا غير مسبوق، ألمح فيه صراحة إلى استمرار أنشطة الجهاز داخل إيران، مؤكدًا أن إسرائيل «ستواصل التواجد هناك كما كانت دائمًا»، في تصريح وُصف حينها بأنه صادم ونادر.
ويتوقف المقال عند ما وصفه بحساب منسوب إلى الموساد على منصة إكس باللغة الفارسية، دعا في 29 ديسمبر الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع والتظاهر ضد النظام، قائلًا: «اخرجوا معًا إلى الشوارع. لقد حان الوقت… نحن معكم في الميدان». ورغم نفي مصادر في الموساد أي صلة رسمية بالحساب، يشير التحليل إلى أن أجهزة استخبارات، بينها الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كثيرًا ما تستخدم واجهات غير مرتبطة بها رسميًا في إطار العمليات السرية أو الحروب النفسية.
ويستعيد المقال حادثة انفجارات منشأة نطنز النووية في يوليو/تموز 2020، حين أعلنت جماعة مجهولة مسؤوليتها عن الهجوم، قبل أن يُجمع العالم، بما في ذلك إيران، على نسب العملية إلى الموساد. وتكاد التلميحات الواردة في كتاب رئيس الموساد السابق يوسي كوهين «سيف الحرية» تؤكد هذا الاستنتاج، من خلال سرد تفصيلي لعملية التخريب.
كما أشار المقال إلى تقرير نشره تمير موراغ على القناة 14، تحدث عن قيام جهات خارجية بتسليح إيرانيين لمواجهة قوات النظام، وهو تقرير أعاد وزير الخارجية الإيراني نشره لأغراض سياسية، فيما نفت مصادر الموساد أي علاقة له به.
ويربط التحليل هذه المعطيات بالاحتجاجات التي اندلعت على خلفية انهيار الريال الإيراني، وارتفاع أسعار الوقود، وأزمة المياه الوطنية، مستحضرًا تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت عام 2022، وصف فيها النظام الإيراني بأنه «فاسد بعمق وغير كفوء»، ودعا إلى اعتماد استراتيجية «الموت بألف جرح» لإضعافه عبر وسائل غير عسكرية.
ويخلص المقال إلى أن إسرائيل تمتلك سجلًا طويلًا في دعم أطراف ثالثة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، مشيرًا إلى سوابق متعددة في مناطق مختلفة، في حين تواصل إيران اتهام أقليات داخل أراضيها، بينها الأكراد، بالعمل مع الموساد منذ سنوات.


