قال الكاتب باولو ماوري، في تقرير نشره موقع إنسايد أوفر، إن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ضم غرينلاند أعادت تسليط الضوء على ملف حاضر منذ سنوات في صلب الحسابات الجيوسياسية الكبرى، يتمثل في التنافس الدولي على منطقة القطب الشمالي.
وأوضح ماوري أن الولايات المتحدة وروسيا والدول الإسكندنافية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى الصين، تولي اهتمامًا متزايدًا بهذه المنطقة الشاسعة، حيث تعمل منذ ما لا يقل عن عقد من الزمن على إحياء سياسات سابقة أو بلورة عقائد إستراتيجية جديدة مخصصة للقطب الشمالي.
وأشار الكاتب إلى أن دوافع هذا الاهتمام المتجدد تختلف من دولة إلى أخرى، لكنها تتركز حول ثلاثة محاور رئيسية: استغلال الموارد الطبيعية، وفتح طرق تجارية بحرية جديدة، وتوسيع نطاق الأمن الإستراتيجي والعسكري.
ويرى ماوري أن روسيا تُعدّ الطرف الأكثر نشاطًا في مساعي استعادة نفوذها الإستراتيجي في المنطقة، في محاولة لتعويض التراجع الذي أعقب تفكك الاتحاد السوفياتي. ولفت إلى أن «العقيدة البحرية الجديدة للاتحاد الروسي»، الصادرة عام 2010 والمحدّثة في 2015، نصّت صراحة على إنشاء قيادة عسكرية مشتركة متعددة الفروع في القطب الشمالي.
وفي المقابل، أشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة أكدت في إستراتيجيتها الخاصة بالقطب الشمالي، الصادرة عام 2024، أن المنطقة القطبية تمثل عنصرًا حيويًا لأمنها القومي ولأمن الناتو، معتبرًا أن هذا التعريف يشكل مفتاحًا لفهم ما وصفه بـ«التوجهات العدائية لواشنطن» حيال غرينلاند.
وأضاف ماوري أن القطب الشمالي يضم ممرات بحرية بالغة الأهمية، ازدادت قيمتها الإستراتيجية بفعل التغير المناخي وذوبان الجليد، ما فتح آفاقًا جديدة للملاحة الدولية، ورفع مستوى التنافس بين القوى الكبرى على السيطرة على هذه الطرق الحيوية.
وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب أن الصين تُنظر إليها من قبل الولايات المتحدة كمصدر تهديد محتمل للاستقرار في المنطقة، إذ أدرجت القطب الشمالي ضمن مخططاتها طويلة المدى، وتسعى إلى تعزيز نفوذها واستغلال موارده، رغم كونها دولة غير قطبية.
وأوضح أن بكين تعمل بالفعل على تعزيز قدراتها في البيئة القطبية، من خلال تشجيع بناء كاسحات جليد متطورة، وإرسال بعثات بحثية علمية. كما تستند إلى إستراتيجيتها للقطب الشمالي لعام 2018، التي تؤكد أن الدول غير القطبية يجب أن تسهم في «المصير المشترك للبشرية»، نظرًا للأهمية العالمية للمنطقة.
أما على الصعيد الأوروبي، فأشار ماوري إلى أن القارة العجوز تسعى بدورها إلى استعادة حضورها في القطب الشمالي، وإن بوتيرة أقل مقارنة بروسيا والولايات المتحدة والصين. وضمن هذا الإطار، أعادت آيسلندا تعزيز حضورها العسكري، خصوصًا في مجالي المراقبة الجوية والبحرية، فيما كثّفت دول إسكندنافية مثل النرويج وفنلندا والسويد مناوراتها العسكرية في المنطقة القطبية.
غير أن الكاتب خلص إلى أن التقدم الأوروبي لا يزال غير كافٍ لإظهار قدرة ردع حقيقية، مشيرًا إلى أن مناطق إستراتيجية مثل غرينلاند وآيسلندا وجزر سفالبارد تكاد تخلو من وجود عسكري دائم وفعّال، ما يجعلها نقاط ضعف محتملة في معادلة التوازن الدولي في القطب الشمالي.


