لا يهدأ سكان مدينة طرابلس. تلك المدينة الحزينة والمثقلة بالشقاء. ولا يلمس أهلها الأمان منذ سنوات طويلة. فكلما اعتقدوا أن الخطر مرّ، يأتي ليل جديد يسرق معه جدران المنازل… والأمان والضحكات. هكذا استيقظت المدينة مجددًا على ركام، بعد انهيار مبنى سكني في منطقة القبة.
فجر يوم السبت، انهار مبنى سكني في منطقة القبة، ما أحدث حالة هلع واسعة بين الأهالي. وهو المبنى الثالث الذي ينهار في طرابلس خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر خطير على تسارع وتيرة الانهيارات، وسط واحدة من أخطر الأزمات التي تعيشها عاصمة الشمال منذ سنوات، من دون أي رؤية واضحة للحل. ويعود السؤال ليفرض نفسه بإلحاح: لماذا تُترك طرابلس فوق قنبلة موقوتة من الأبنية الآيلة للسقوط؟ ومن المسؤول عن موتٍ يمكن توقّعه؟
فرضية التحقيق
ينطلق هذا التحقيق من فرضية أساسية مفادها أن الدولة كانت على علم مسبق بخطورة عدد كبير من الأبنية القديمة في طرابلس، إلا أن أي تمويل فعلي لمعالجتها لم يُرصد، لا بسبب غياب الحاجة أو عنصر المفاجأة، بل نتيجة فقر المدينة المزمن وتهميشها السياسي. وهو ما حوّل هذه الأبنية إلى خطر دائم، تُرك الفقراء وحدهم لمواجهته.
تحذيرات موثّقة منذ سنوات
يكشف رئيس حزب البيئة العالمي، الدكتور دوميط كامل، في حديثه إلى "وردنا"، أن حزب البيئة أجرى مسحًا كاملًا لأبنية طرابلس بين عامي 2019 و2024. ويوضح أنه في عام 2020، تقدّم الحزب إلى هيئة الإغاثة العليا، التي كان يرأسها آنذاك اللواء محمد خير، بخطة طوارئ بيئية شاملة في المنطقة، شملت رش أحدث أنواع المبيدات، إلى جانب تنفيذ مسح للأبنية المتصدعة.
وبحسب كامل، جرى توثيق هذه النتائج في كتاب رسمي قُدّم إلى هيئة الإغاثة، التي أبلغت بدورها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، كما أُبلغت بلدية طرابلس بوجود عدد كبير من الأبنية المتصدعة. وفي 16 أيلول 2024، رفعت بلدية طرابلس كتابًا رسميًا إلى رئاسة الحكومة، تضمّن الأخطار القائمة والإجراءات المطلوبة.
يشير كامل إلى أن طرابلس تضم عددًا كبيرًا من الأبنية المتصدعة جدًا، وأن الهزات الارتدادية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أثّرت بشكل كبير على هذه المباني، خصوصًا أنها تفتقر إلى الأساسات اللازمة لمواجهة عوامل طبيعية من هذا النوع. ويضيف أن العديد من هذه الأبنية شُيّد خلال الحرب الأهلية بطرق غير هندسية وغير صحيحة، ما جعلها تشكّل خطرًا مباشرًا على السلامة العامة.
ويكشف كامل أنه جرى الكشف على المبنى الذي انهار في القبة ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتبيّن في كل مرة أنه غير متصدّع، ما يشير إلى أن أسباب الانهيار أعمق من مجرد تصدّع ظاهر.

الكتاب الرسمي الذي أبلغت من خلاله الحكومة بحال الأبنية في طرابلس 2024
105 مبانٍ آيلة للسقوط
من جهته، يوضح رئيس بلدية طرابلس، الدكتور عبد الحميد كريمة، أن عدد المباني السكنية الآيلة للسقوط في المدينة يبلغ 105 مبانٍ، فيما جرى إجراء مسح شامل لنحو 600 مبنى. ويؤكد كريمة أن المبنى الذي انهار في القبة لم يكن مصنّفًا ضمن الأبنية المتصدعة أو المهددة بالسقوط، ولم يكن يعاني من أضرار ظاهرة.
ويرجّح كريمة أن يكون التلاعب بالعقار أحد الأسباب المحتملة لانهيار المبنى، إلا أن التحقيقات لم تحسم بعد، مشيرًا إلى أن القوى الأمنية باشرت تحقيقاتها لكشف الملابسات.
ما قبل الانهيار
قبل 24 ساعة من سقوط المبنى، أبلغت بلدية طرابلس، برفقة القوى الأمنية، قاطنيه بأنه مهدد بالسقوط، فغادر السكان المبنى خلال النهار لفترة محددة، قبل أن يعودوا إليه لاحقًا.
وفي حالات الإخلاء، يُنقل السكان إلى المعهد الفندقي في الميناء – طرابلس. وبعد توجيه الإنذار، تقوم البلدية بإحصاء عدد القاطنين وصرف بدل مأوى فوري لهم، على أن يُعتمد هذا الإجراء مؤقتًا إلى حين توافر التمويل اللازم.
وتعاني بلدية طرابلس من نقص حاد في التمويل، إذ طلبت من الجهات المعنية ما يقارب 10 ملايين دولار للبدء بمعالجة الأبنية المتصدعة، فيما تُقدّر الكلفة الإجمالية للمعالجة بنحو 40 مليون دولار، إضافة إلى 30 مليون دولار للأبنية الأثرية، وذلك بالتنسيق مع وزارة الداخلية والوزارات المعنية.
نقابة المهندسين: لم يُكشف عليه سابقًا
في المقابل، يشير نقيب المهندسين في طرابلس، شوقي فتفت، إلى أن الكشف الهندسي الرسمي الصادر عن النقابة تم بعد طلب الإخلاء، ما يعني أن المبنى لم يكن قد خضع لكشف هندسي سابق.
ويلفت فتفت إلى عدم وجود إحصاء رسمي لدى النقابة يحدّد عدد الأبنية المتصدعة، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من مباني طرابلس بات قديمًا، وأن غياب الصيانة لعب دورًا أساسيًا في تدهور أوضاعها. ويؤكد أن العمل جارٍ حاليًا على تجميع البيانات لإرسالها إلى الحكومة، في ظل تقارير رُفعت إلى حكومات سابقة من دون أي معالجة جدية.
ويعدّد فتفت أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى انهيار المباني، ومنها العيوب الإنشائية الأساسية، ومشاكل التربة، والإهمال وغياب الصيانة، إضافة إلى تحميل المباني بطوابق إضافية.
الفقر… العامل الحاسم
على المستوى الاجتماعي، يشدد فتفت على ضرورة رفع الوعي، ومنع أي تدخل أو تعديل في الأبنية من دون إشراف مهندس مختص والحصول على التراخيص اللازمة. كما يؤكد أهمية صيانة البنى التحتية، لا سيما منع تسرب مياه الأمطار إلى الأساسات والطوابق السفلية، وهي مسؤولية تقع على عاتق الدولة.
لكن يبقى الفقر العامل الأكثر تأثيرًا، إذ إن الحالة المادية المتدهورة لسكان هذه المناطق، إلى جانب نقص التمويل والعوائق القانونية، تجعل من معالجة هذا الملف مهمة شبه مستحيلة. فالبلدية، رغم قيامها بالكشف وإعداد التقارير، لا تملك صلاحيات إضافية للتدخل في ملكيات خاصة، فيما يعجز المالكون عن تحمّل كلفة الإصلاح.
وزارة الداخلية: تحقيق فوري
مصادر مطلعة في وزارة الداخلية أكدت لـ"وردنا" أن الوزير أحمد الحجار طلب فتح تحقيق فوري في الحادثة، وعقد اجتماعًا مع المعنيين في سرايا طرابلس بعد معاينته المبنى المنهار، للاطلاع على كل التفاصيل.
من الناحية القانونية: "خطأ الضحية"
يشير الناشط الحقوقي والأستاذ المحاضر في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية الدكتور جاد طعمة إلى أنه لا يمكن التعامل مع انهيار أي مبنى كحالة واحدة أو مسؤولية واحدة. فالمساءلة تتبدّل تبعًا لسلسلة من الوقائع والإجراءات التي سبقت الانهيار، وتحديدًا ما إذا كان الخطر معروفًا، ومن أُبلغ به، ومن قصّر في واجباته.
فعندما يكون المبنى قد خضع للكشف الفني الرسمي، وجرى توجيه إنذار واضح إلى القاطنين بوجوب الإخلاء، فإن سقوط المبنى فيما لا يزال أشخاص داخله يفتح قانونًا باب البحث في خطأ الضحية، باعتبار أن تجاهل الإنذار يُعد تقصيرًا قد يحمل الضحية جزءًا أساسيًا من المسؤولية.
أما في حال كان المبنى مستأجرًا وأهمل المالِك صيانته، فتقوم مسؤولية المالك عن الأضرار الناتجة عن هذا الإهمال. وإذا تبيّن أن الخلل يعود إلى عيوب في الإنشاء أو أخطاء هندسية، فإن المسؤولية تنتقل إلى المهندس أو الجهة الفنية المشرفة على التنفيذ.
في المقابل، إذا كان المبنى قديم العهد، ولم يثبت وجود تقصير في أعمال الصيانة أو أخطاء إنشائية، فقد تنتفي المسؤولية الفردية، ويُنظر إلى الانهيار كخطر بنيوي مرتبط بقدم العمران نفسه.
وتقع مسؤولية الكشف الفني وإرسال الإنذارات، كأصل عام، على عاتق البلديات. فالبلدية التي تقوم بالكشف وتوجّه الإنذار تكون قد نفّذت جزءًا من موجباتها القانونية. أما إذا امتنعت عن إجراء الكشف، أو أهملت متابعة أوضاع مبانٍ يُشتبه بخطورتها، فإن مسؤوليتها تصبح قائمة.
وفي الحالات التي تُصنَّف فيها حالة المبنى على أنها خطرة، ويجري إنذار القاطنين بالإخلاء من دون التزامهم بذلك، ينشأ موجب إضافي على البلدية يتمثّل في الاستعانة بالقوى العامة لتنفيذ الإخلاء. فإذا طلبت البلدية هذا التدخل وأهملت القوى العامة التنفيذ، عندها تنتقل المسؤولية إلى الدولة بصفتها المرجع المعني بفرض السلامة العامة.
من هنا، لا يمكن إطلاق حكم عام أو تبسيط المسؤوليات. فكل حالة تستوجب دراسة خاصة تستند إلى تقارير الخبراء الفنيين، والتدقيق في موجبات الإدارات العامة، وتسلسل الإجراءات المتخذة أو المهملة. مع التأكيد أن الضحية التي تُنذَر رسميًا ولا تستجيب للإنذار، تكون قد ارتكبت خطأً قانونيًا قد يحمّلها الجزء الأكبر من المسؤولية عن النتائج.
بين إنذارات معروفة وواقع يُترك على حاله، تعيش طرابلس على حافة خطرٍ يومي. فكل انهيار ليس مفاجأة، بل نتيجة سنوات من الإهمال المؤجَّل، حيث يبقى السؤال معلّقًا: إلى متى يُترك الناس ينامون تحت سقوف يعرف الجميع أنها قد لا تصمد حتى الصباح؟


