منوعات

البتراء تدهش العلماء مجددًا: هندسة مائية سبقت عصرها

البتراء تدهش العلماء مجددًا: هندسة مائية سبقت عصرها

كشفت دراسة أثرية حديثة عن تفاصيل غير مسبوقة لقناة «عين برق» المائية في مدينة البتراء الأثرية، ما يغيّر جذريًا الفهم السائد حول تقنيات إدارة المياه لدى الحضارة النبطية.

الدراسة، التي قادها الباحث نيكلاس يونغمان من جامعة هومبولت في برلين، ونُشرت في مجلة Levant، كشفت عن نظام مائي متطور ومعقّد يفوق ما كان يُعتقد سابقًا.

قناتان بدل قناة واحدة

وعلى خلاف التصور التقليدي الذي افترض اعتماد القناة على مجرى رئيسي واحد، أثبتت الدراسة وجود قناتين متوازيتين تعملان معًا:

الأولى مصنوعة من الطين المحروق (التراكوتا)، وهي المادة الشائعة في الهندسة النبطية.

الثانية مصنوعة من الرصاص، وهي مادة ارتبط استخدامها تاريخيًا بالهندسة الرومانية الكلاسيكية.

ويمثل هذا الاكتشاف دليلاً واضحًا على أن البتراء كانت ضمن أكثر الحضارات تقدمًا تقنيًا في مجال الهندسة الهيدروليكية في العالم القديم.

لغز أنبوب الرصاص

وأحد أكثر عناصر الاكتشاف إثارة هو أنبوب رصاصي بطول يُقدّر بنحو 116 مترًا، وهو طول استثنائي لمثل هذه المادة في ذلك العصر.

فبينما كانت أنابيب التراكوتا كافية لتأمين التدفق الطبيعي للمياه، صُممت أنابيب الرصاص لتحمل ضغوط مائية هائلة، ما يرجّح استخدامها في أنظمة السيفون المقلوب، وهي تقنية هندسية متقدمة تسمح للمياه بتجاوز المرتفعات والانخفاضات اعتمادًا على مبدأ التوازن الهيدروليكي، دون أي ضخ ميكانيكي.

ثروة وبراعة هندسية

وعلّق يونغمان على النتائج قائلًا:

«قرار تركيب هذا الخط المتطور لا يعكس فقط الثروة الهائلة للدولة النبطية وبراعة مهندسيها، بل يؤكد الأهمية الاستراتيجية لإيصال المياه إلى تل الزنطور ومركز المدينة».

وأضاف أن الفرضية الحالية تربط إنشاء هذا النظام المتكامل بتطوير مجمع المعبد الكبير وحدائق القصر الملكي في عهد الملك الحارث الرابع، تاسع ملوك مملكة الأنباط.

سد غامض بتصميم غير مألوف

ومن بين 17 منشأة مائية تم توثيقها في مساحة تبلغ نحو 2500 متر مربع، لفت الانتباه سد احتجازي بتصميم غير منتظم وشكل متدرج.

ويرجّح الباحثون أن هذا التصميم قد يكون:

حلًا هندسيًا ذكيًا لتوزيع ضغط المياه

أو شلالًا اصطناعيًا أُنشئ لأغراض جمالية داخل المشهد العمراني

من الطموح التقني إلى الواقعية الاقتصادية

وتكشف الدراسة عن تحول تقني مهم في مراحل لاحقة، حيث جرى التخلي عن أنبوب الرصاص المكلف وإغلاقه، والاعتماد الكامل على أنابيب التراكوتا الأكثر اقتصادًا.

ويوضح يونغمان:

«يبدو أن القرار كان اقتصاديًا في جوهره، فتصنيع وصيانة أنابيب الرصاص يتطلبان موارد ضخمة ويدًا عاملة متخصصة، بينما توفر التراكوتا حلًا عمليًا وفعالًا».

إعادة كتابة تاريخ المياه في البتراء

وتقدّم هذه الدراسة نموذجًا جديدًا لفهم تطور النظم المائية في البتراء، عبر:

تحليل تقني دقيق للمكونات الهندسية

كشف المراحل التطويرية المتعاقبة للنظام

إبراز التوازن بين الطموح التكنولوجي والاعتبارات الاقتصادية في الحضارات القديمة

ويُذكر أن البتراء، التي ازدهرت عاصمةً للإمبراطورية النبطية خلال القرن الأول قبل الميلاد، اعتمدت على شبكات مائية معقدة لدعم حدائقها وبركها وحمّاماتها العامة، قبل أن تتعرض لدمار واسع جراء زلزال عام 363 ميلادي.

يقرأون الآن