حقق باحثون تقدّمًا لافتًا في مواجهة أحد أخطر أنواع سرطان الدماغ وأكثرها فتكًا، وهو الورم الأرومي الدبقي، الذي لا يزال حتى اليوم بلا علاج شافٍ، ويُعد من أكثر الأورام عدوانية ومقاومة للعلاجات التقليدية.
والدراسة الجديدة، التي أجراها فريق علمي أميركي، كشفت عن آلية دقيقة داخل الخلايا السرطانية يمكن استهدافها لتعطيل نمو الورم وقتل خلاياه، دون إلحاق أضرار كبيرة بأنسجة الدماغ السليمة، في خطوة وُصفت بأنها من أكثر التطورات الواعدة في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.
ويُصنَّف الورم الأرومي الدبقي كأكثر أورام الدماغ الخبيثة انتشارًا بين البالغين، ويتميّز بسرعة نموه وقدرته العالية على التغلغل داخل أنسجة المخ، ما يجعل استئصاله الجراحي شبه مستحيل في كثير من الحالات.
وعلى الرغم من الجمع بين الجراحة والعلاج الإشعاعي والكيميائي، فإن متوسط العمر المتوقع للمصابين لا يتجاوز في الغالب 12 إلى 18 شهرًا بعد التشخيص، بسبب عودة الورم ومقاومته المستمرة للعلاج.
وركّز الباحثون في دراستهم على جين يُعرف باسم AVIL، تبيّن أنه يلعب دورًا محوريًا في تسريع نمو خلايا الورم الأرومي الدبقي وانتشارها. واللافت أن هذا الجين يكون شبه خامد في خلايا الدماغ السليمة، لكنه ينشط بقوة داخل الخلايا السرطانية، ما يجعله هدفًا مثاليًا للعلاج.
وباستخدام تقنيات متقدمة لفحص المركّبات الكيميائية، تمكّن العلماء من تحديد جزيء صغير قادر على تعطيل هذا الجين، ما أدى إلى وقف نمو الخلايا السرطانية وتدميرها في تجارب مخبرية وعلى نماذج حيوانية.
وأحد أبرز التحديات في علاج أورام الدماغ يتمثل في الحاجز الدموي الدماغي، الذي يمنع وصول كثير من الأدوية إلى أنسجة المخ. غير أن الجزيء الجديد أظهر قدرة على عبور هذا الحاجز بنجاح، وهي ميزة حاسمة تزيد من فرص تحوّله مستقبلًا إلى علاج فعّال.
كما أظهرت النتائج أن تأثيره كان انتقائيًا إلى حد كبير، إذ استهدف الخلايا السرطانية دون إلحاق ضرر واسع بالخلايا الطبيعية، وهو ما يفتح المجال لعلاجات أقل سمّية وأكثر دقة.
أمل علمي
ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن هذا التطور لا يعني التوصّل إلى علاج نهائي في الوقت الراهن، إذ لا تزال هناك حاجة إلى دراسات سريرية موسّعة على البشر للتأكد من سلامة الجزيء وفعاليته قبل اعتماده طبيًا.
مع ذلك، يرى الخبراء أن هذا الاكتشاف يمثّل نقلة نوعية في فهم نقاط الضعف البيولوجية للورم الأرومي الدبقي، وقد يمهّد الطريق أمام جيل جديد من العلاجات الموجّهة، التي لا تكتفي بإبطاء المرض، بل تسعى إلى القضاء عليه من جذوره.
ولا يزال أخطر سرطان في الدماغ بلا علاج شافٍ، لكن العلم يقترب خطوة إضافية. استهداف الجينات التي تغذّي الورم قد يكون المفتاح الذي طال انتظاره.


