لا يزال ملف سد النهضة الإثيوبي يثير جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب الخلاف السياسي بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، بل أيضاً في ضوء ما تكشفه دراسات علمية حديثة عن تحديات فنية وجيولوجية قد تؤثر على مستقبل المشروع.
دراسة أعدها فريق دولي من باحثين من مصر والصين والهند والولايات المتحدة ونيبال سلطت الضوء على مخاطر محتملة مرتبطة بالسد المساعد المعروف باسم “سد السرج”، وهو عنصر أساسي في منظومة التخزين. واعتمدت الدراسة على تقنيات رصد أرضي وبيانات فضائية لتقييم الاستقرار الجيولوجي والإنشائي في المنطقة المحيطة.
وأشارت النتائج إلى احتمال تسرب كميات كبيرة من المياه من بحيرة السد إلى الطبقات الجوفية، قُدّرت بنحو 41 مليار متر مكعب خلال مراحل الملء المختلفة، وهو رقم قد يؤثر على كفاءة التخزين واستقرار الأساسات. كما رصد الباحثون هبوطاً أرضياً طفيفاً وصل في بعض النقاط إلى نحو 40 مليمتر، إضافة إلى ظهور تجمعات مائية غير متوقعة قرب سد السرج، ما قد يشير إلى وجود مسارات تسرب أو تشققات في التكوينات الجيولوجية.
الباحث هشام العسكري أوضح أن سد السرج يحتجز الجزء الأكبر من السعة التخزينية الفعالة للخزان، وأن أي خلل فيه قد تكون له تداعيات واسعة، لاسيما أنه يقع في منطقة تتسم بتعقيد جيولوجي وترتبط بمنظومة صدع شرق أفريقيا. ويبلغ طول السد نحو خمسة كيلومترات، وقد ساهم في رفع السعة الإجمالية للبحيرة إلى نحو 74 مليار متر مكعب، منها 59.2 مليار متر مكعب تمثل السعة التشغيلية الفعالة.
الدراسة تناولت كذلك ظاهرة النشاط الزلزالي المتزامن مع مراحل ملء الخزان، في ما يعرف بالزلازل المستحثة بالخزانات، إذ قد يؤدي الضغط الناتج عن تخزين كميات ضخمة من المياه إلى تنشيط فوالق قديمة في منطقة نشطة نسبياً. وأظهرت نماذج محاكاة لسيناريوهات افتراضية أن أي خلل كبير أو انهيار جزئي في سد السرج قد ينعكس بموجات فيضانية قوية على مناطق في السودان، مع تداعيات محتملة لاحقاً على مصر.
من جانبه، أشار أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي إلى أن إجمالي المياه التي تم احتجازها في بحيرة السد يُقدّر بنحو 64 مليار متر مكعب، إضافة إلى أكثر من 40 مليار متر مكعب فقدت نتيجة البخر والتسرب خلال سنوات الملء، ما يعني – بحسب تقديره – أن نحو 104 مليارات متر مكعب من المياه حُجزت عن مصر خلال السنوات الست الأخيرة.
وأوضح أن وجود السد العالي والمشروعات المائية التي نفذتها مصر، مثل محطات التحلية ومعالجة مياه الصرف الزراعي، ساهم في الحفاظ على مخزون بحيرة ناصر وتعويض جزء من الفاقد.
ولفت شراقي إلى تصاعد ملحوظ في عدد الهزات الأرضية المسجلة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن إثيوبيا تُعد من أكثر الدول الإفريقية نشاطاً زلزالياً، وأن زيادة التخزين قد تكون مرتبطة بزيادة النشاط، خصوصاً في ظل وجود أخدود جيولوجي يربط بحيرة السد بالأخدود الإفريقي.
وحذر من أن موسم الأمطار الغزيرة المتوقع في يوليو قد يشكل تحدياً إضافياً في حال كان الخزان ممتلئاً، مؤكداً أن أي تدفقات مائية كبيرة أو خلل مفاجئ قد تكون له تأثيرات واسعة النطاق على السودان أولاً ثم مصر. وشدد على أهمية الشفافية في نشر تقارير الأمان والدراسات الهندسية المتعلقة بالسد، وضرورة المتابعة الفنية والجيولوجية المستمرة لتقييم المخاطر بصورة علمية دقيقة.


