كيف اخترق إبستين

تساءل كريستوفر ماركيز، الأستاذ في جامعة كامبريدج، عن الأسباب التي أدت إلى ظهور عدد كبير من الأكاديميين في ملفات جيفري إبستين، رافضاً حصر التفسير في المال أو الانحراف الشخصي فقط، وداعياً إلى تفكيك بنية الحياة الأكاديمية نفسها وكيف استغل إبستين هشاشتها.

وفي مقال نشرته صحيفة الغارديان، أوضح ماركيز أن المال كان مدخلاً مهماً لاختراق الوسط الجامعي عبر التبرعات، وبناء العلاقات، وتقديم وعود بفتح أبواب النفوذ. فالجامعات تعتمد بدرجة كبيرة على جمع التبرعات، وغالباً ما تضعف آليات التدقيق حين تكون الحاجة التمويلية ملحّة.

وأشار إلى أن إبستين، الذي لم يُكمل دراسته الجامعية، كان يسعى إلى الاعتراف من نخب أكاديمية مرموقة، فحرص على الارتباط بمؤسسات عريقة مثل جامعة هارفارد وكامبريدج وكورنيل، في محاولة لاكتساب شرعية اجتماعية وثقافية تعوض افتقاره للمسار الأكاديمي التقليدي.

ورغم أن بعض الأساتذة انجذبوا إلى نمط حياة مترف وإغراءات اجتماعية، يؤكد ماركيز أن هذه العوامل لا تفسر وحدها كثافة الحضور الأكاديمي في شبكة علاقات إبستين، المدان بإدارة شبكة استغلال جنسي لقاصرات. فالأهم – برأيه – كان قدرته على تشخيص حاجات نفسية ومهنية دقيقة لدى أكاديميين، ثم تقديم مكافآت غير نقدية تلبي تلك الحاجات، مثل تسهيل الوصول إلى مستثمرين وشركات، وترتيب علاقات إعلامية، وتسهيل تعاملات مصرفية للنخب.

بهذه الطريقة، بنى إبستين نفوذاً قائماً على الوساطة والوصول لا على المال وحده. ويشرح ماركيز أن العمل الأكاديمي، رغم ما يمنحه من حرية فكرية، يخلق نوعاً من العزلة داخل "برج عاجي"، ويغذي رغبة خفية في اعتراف أوسع خارج أسوار الجامعة، إذ تبقى مكانة كثير من الأساتذة محصورة في دوائر تخصصية ضيقة، بعيدة عن عالم المال والسياسة.

في المقابل، ترفع الجامعات شعار "الأثر المجتمعي"، بينما يواجه الباحثون ضغوطاً يومية صامتة، من تحكيم مجهول، ومنح مرفوضة، وبيروقراطية مرهقة، وأعباء إدارية تستنزف الوقت والكرامة المهنية. هنا – بحسب الكاتب – أدرك إبستين هذه الفجوة النفسية، فقدم فضاءً بديلاً يمنح الاعتراف والراحة، عبر ترتيبات سفر وسكن وامتيازات اجتماعية، مقابل رأس مال رمزي يعزز مكانته هو.

وأشار ماركيز إلى أن طائرة إبستين الخاصة، المعروفة باسم “لوليتا إكسبرس”، لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل أداة رمزية لصناعة إحساس بالانتماء إلى دائرة مغلقة من "المسموح لهم"، وهو ما عزز الإغراء الاجتماعي والنخبوي.

وختم بدعوة الجامعات والأكاديميين إلى مراجعة علاقتهم بفكرة الاعتراف السريع والهيبة غير الخاضعة للمساءلة، محذراً من أن استبدال معايير الشفافية والتحكيم بامتيازات شخصية يفتح الباب أمام قبول ترتيبات أخلاقياً ملتبسة، حتى من دون تورط مباشر في الاستغلال.

يقرأون الآن