كتب رئيس التحرير
في المقال المنشور بجريدة "الأخبار" تحت عنوان "مخزومي يفشل في جمع نواب السنة"، سعت الجريدة إلى التصويب على النائب فؤاد مخزومي في مسعاه لتوحيد الرؤى داخل المكون السني. إلا أن القراءة المتأنية للمشهد السياسي اللبناني، بعيداً عن العناوين الموجهة، تكشف أن ما جرى لم يكن "انتكاسة"، كما زعمت الأخبار، بل خطوة متقدمة لملء فراغ سياسي بات يهدد التوازن الوطني.
أولاً: مغالطة "الغياب" وتفنيد ادعاء الفشل
استندت "الأخبار" في حكمها بـ "الفشل" على معيار الأرقام والعدّ، متجاهلة الموقف السياسي الفعلي. فالحقيقة التي أغفلها المقال هي أن المشهد لم يكن انقساماً، بل تنسيقاً تجاوز حدود الحضور الجسدي في القاعة. لقد سجلت المبادرة خرقاً هاماً بوجود نواب وازنين اعتذروا فقط لوجودهم خارج البلاد، لكنهم أبلغوا تأييدهم الصريح لمسعى اللقاء ومضمونه، وهم:
النائب حسن مراد (بما يمثله من ثقل بقاعي).
النائب فيصل كرامي (أحد أبرز وجوه البيوتات السياسية في طرابلس والشمال).
النائب عبد الرحمن البزري (بحيويته الصيداوية والمستقلة).
إن انضمام هذه الأسماء إلى قائمة المؤيدين يحوّل اللقاء من مجرد "عشاء" إلى "منصة تنسيقية" تحظى بغطاء سياسي يتجاوز حدود بيروت، مما يسقط حجة "العزلة" التي حاول المقال الترويج لها.
ثانياً: البحث عن "بوصلة" في زمن التيه
منذ تعليق العمل السياسي لتيار المستقبل، يعيش المكون السني حالة من التشرذم انعكست ضعفاً في التأثير على القرارات الكبرى. مبادرة مخزومي، وبغض النظر عن المناكفات الصحفية، تمثل محاولة جادة لكسر حالة "الانتظار" السلبية.
الهدف الحقيقي: ليس فرض "زعيم" أو "رئيس كتلة"، بل خلق مساحة تشاورية تمنع استفراد الأطراف الأخرى بالقرار الوطني.
الدينامية: السياسة هي تراكم مواقف. البديل عن هذه المبادرة هو "اللاشيء"، وهو ما يخدم تماماً القوى التي تريد بقاء الساحة السنية خارج دائرة الفعل السياسي.
ثالثاً: ما وراء الهجوم الإعلامي؟
لماذا الإصرار على وصف المبادرة بالفشل؟
إن الهجوم الممنهج يعكس خشية بعض الجهات من تحول هذه اللقاءات إلى "كتلة ضاغطة" في الاستحقاقات الدستورية الكبرى. رغبة "الأخبار" ومن خلفها، أي حزب الله، في الإبقاء على حالة "اليتم السياسي" داخل المكون السني تهدف لتسهيل تمرير تسويات بمعزل عن رأيهم، وهو ما تكسره هذه اللقاءات تدريجياً.
إن وصف تحرك مخزومي بـ "الفشل" هو حكم متسرع يفتقر للموضوعية، التي لم تعد خافية عن جريدة حزب الله.
فالمسألة ليست مجرد تأمين نصاب في صالون سياسي، بل هي القدرة على خلق قواسم مشتركة تخرج الطائفة -والوطن- من حالة الشلل.
إن اعتذار النواب مراد وكرامي والبزري مع تأكيد تأييدهم، هو شهادة نجاح للمبادرة لا فشل لها. الساحة السنية اليوم لم تعد تقبل بالتعطيل، ومحاولة تصوير الحراك كمجرد استعراض شخصي تسقط أمام حقيقة أن هناك حاجة ملحة لـ "مرجعية تشاورية" بدأت تتبلور ملامحها، شاء من شاء وأبى من أبى.


