خاص -

*رنا منصور*

يُصرّ النازحون المقيمون في منطقة "البيال" وسط بيروت على البقاء في أماكن نزوحهم إلى حين انتهاء الحرب وعودتهم إلى قراهم وبيوتهم. هؤلاء الذين خرجوا قسرًا من منازلهم تحت وطأة الخوف والقصف، وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة مصير مجهول، يفترشون الأرصفة والمساحات المفتوحة على الواجهة البحرية للعاصمة، في مشهد يختصر حجم المأساة التي يعيشونها.

وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال أساسي: لماذا يفضّل هؤلاء البقاء في الخيم وعلى الطرقات بدل الانتقال إلى مراكز الإيواء التي خصصتها الدولة اللبنانية؟

النازحون أنفسهم يقرّون بأن الظروف التي يمرّون بها اليوم تُعد من الأصعب مقارنة بما شهدوه في حروب سابقة. فالمساعدات الإنسانية تراجعت بشكل ملحوظ، والمبادرات الفردية والجماعية باتت محدودة، فيما يعاني كثيرون من نقص في الطعام والشراب والخدمات الأساسية. ومع ذلك، يتمسّك عدد كبير منهم بالبقاء في "البيال"، رغم قساوة الظروف.

وتحمل هذه المنطقة رمزية مختلفة بالنسبة إلى اللبنانيين. فالـ"بيال"، أو مركز بيروت الدولي للمعارض والترفيه (BIEL)، أُنشئ خلال مرحلة إعادة إعمار وسط بيروت بعد الحرب الأهلية، ضمن مشروع تطوير الواجهة البحرية الذي قادته شركة "سوليدير" في تسعينيات القرن الماضي. وتحولت المنطقة مع الوقت إلى مركز حديث للمعارض والمؤتمرات والحفلات والأنشطة السياحية والثقافية، بعدما كانت من المناطق المتضررة خلال الحرب.

اليوم، تبدّل المشهد بالكامل. فالمنطقة السياحية التي كانت تستقبل الزوار والفعاليات الكبرى، أصبحت تضم خيمًا لنازحين فقدوا منازلهم وأمانهم، يعيشون ظروفًا صعبة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة اليومية. في المقابل، لا تزال هناك مراكز إيواء تستقبل نازحين في أكثر من منطقة لبنانية، منها المدينة الرياضية التي تستوعب، بحسب معلومات متداولة، نحو ألف شخص، إضافة إلى مراكز في عكار وطرابلس وصيدا ومناطق أخرى.

كما تتردد عناصر قوى الأمن الداخلي إلى منطقة "البيال" بشكل مستمر، ليس بهدف التضييق على النازحين أو ترهيبهم، بل لتنظيم أماكن الخيم قدر الإمكان، والتأكيد على أن المنطقة تُعد واجهة سياحية مع اقتراب الموسم الصيفي. ومنذ الأيام الأولى للحرب، قُطعت الكهرباء عن أعمدة الإنارة في المنطقة، في إجراء مشابه لما حصل خلال حرب عام 2024، فيما تغيب الحمامات المؤقتة والخدمات الصحية الأساسية. ورغم ذلك، لا يزال كثير من النازحين يرفضون مغادرة المكان.

ويقول بعضهم إنهم يخشون الانتقال إلى مراكز الإيواء المكتظة، حيث تضطر عائلات عدة إلى تقاسم الغرف والحمامات، ما يفقدهم جزءًا من خصوصيتهم وراحتهم النفسية. إلا أن آخرين يرون أن هذه الظروف، على صعوبتها، تبقى أفضل من النوم على الطرقات وتحت الخيم التي غمرتها أمطار الشتاء، وتواجه اليوم حرّ الصيف القاسي. ورغم كل ذلك، يؤكد النازحون انفتاحهم على التعاون مع الدولة والقوى الأمنية، مشيرين إلى إمكانية تنظيم وجودهم ضمن مساحة محددة على الجهة البحرية، بما يخفف من الفوضى ويحفظ كرامتهم في الوقت نفسه.

أما الوصف الأكثر قسوة الذي يتردد بينهم، فهو اعتبار "البيال" أشبه بـ"مقبرة للأحياء"، في ظل غياب مقومات الحياة الطبيعية. كما يبدي عدد منهم تخوفًا من الانتقال إلى المدينة الرياضية، خوفًا من أن تُدرج ضمن أي استهداف محتمل يطال الضاحية الجنوبية، ما قد يعرّضهم مجددًا للنزوح والتشرّد في شوارع بيروت. وفي خضم هذا المشهد، يبقى النازح اللبناني عالقًا بين خوف العودة إلى مناطق الخطر، والخشية من فقدان ما تبقّى له من خصوصية وكرامة داخل مراكز الإيواء. وبين مدينةٍ تستعد لموسمها السياحي، وآلاف الأشخاص الباحثين فقط عن مكان آمن ينامون فيه، تبدو الأزمة أكبر من مجرد خيم على الرصيف؛ إنها صورة عن بلد يعيش حربًا مفتوحة على الإنسان قبل الحجر.

يقرأون الآن