خاص - من دهشة البقاع الغربي إلى خوف الطريق: يومٌ عادي في لبنان ليس عادياً

للمرة الأولى هذا الصيف، قررت عائلتي أن تقضي يومين في البقاع الغربي. قد يبدو الأمر عادياً بالنسبة إلى كثيرين، لكن بالنسبة إليّ كان أشبه باكتشاف مكان أعرفه على الخريطة ولا أعرفه في الواقع. فأنا من بعلبك، ولم أزر البقاع الغربي يوماً، رغم أنني لطالما تساءلت: كيف تبدو تلك المنطقة؟ ماذا تخبّئ خلف الطرق التي نعبرها من بعيد؟


في اليوم الأول، كانت الدهشة هي العنوان. طبيعة خضراء، قرى مرتبة، وبلدات بدت لي في لحظات وكأنها ليست في البقاع الذي أعرفه. نظافة وتنظيم وتفاصيل صغيرة تجعل المكان أكثر هدوءاً وجمالاً مما توقعت.


لكن المفاجأة الأكبر كانت الأسعار. نحن الذين نعيش في بيروت اعتدنا، رغماً عنا، على الأسعار المرتفعة. في العاصمة، بات السعر المرتفع أمراً شبه طبيعي، حتى إن تقارير كثيرة تحدثت عن ارتفاع كلفة المعيشة فيها إلى مستويات جعلتها تنافس مدناً عالمية باهظة، بل وذهبت بعض المقارنات إلى وضع بيروت في مواجهة باريس.


لذلك، كان انخفاض الأسعار في البقاع الغربي صدمة من نوع آخر. صرت أكتشف أن ما اعتدناه في بيروت ليس بالضرورة طبيعياً في بقية لبنان، وكنت أظن أن هذه ستكون صدمة الرحلة.

لكنني كنت مخطئة.


*«يا قمر مشغرة»*


في اليوم التالي، وبعد أن أنهينا نهارنا عند شلالات بلدة مشغرة، كنا نعود باتجاه الجنوب. مشغرة، البلدة التي غنّت لها السيدة فيروز: «يا قمر مشغرة». بلدة أخرى من تلك البلدات اللبنانية التي تختصر شيئاً من صورة لبنان التي نحب أن نرويها عن أنفسنا.


على الطريق، لم أستغرب حين رأيت الصليب إلى جانب الجامع. لم أتوقف طويلاً عند المشهد. فهذا هو لبنان. هكذا تربّينا.


بعد يوم جميل، اقترح أخي فكرة بدت منطقية جداً: «ما رأيكم أن نذهب إلى صيدا من طريق جزين؟»


وبالنسبة إلى من يعرف جغرافيا لبنان، كانت الفكرة تبدو أوفر للوقت. فالبقاع الغربي أقرب إلى الجنوب، ويمكن أن نصل إلى صيدا في نحو ساعة، بدلاً من العودة عبر ضهر البيدر، في رحلة قد تمتد إلى ساعتين ونصف.


وافقنا. وانطلقنا. لم نكن نعرف أن الطريق التي اخترناها ستغيّر تماماً شعورنا بالرحلة.


*عندما تذكّرنا الحرب*


في منتصف الطريق، بدأ وجه أخي يتغير. ثم قال ما جعل الجميع يتذكر في اللحظة نفسها ما كنا نحاول ألّا نفكر فيه: طريق جزين تقع في مواجهة مرتفعات علي الطاهر.


وهنا، تغيّر كل شيء. تلك المرتفعات التي لا تتوقف الأخبار عن ربطها بالغارات والقصف والمسيرات الإسرائيلية، لم تعد خبراً نسمعه من شاشة الهاتف. أصبحت أمامنا. وأصبح الطريق الذي اخترناه للوصول إلى صيدا يمر بالقرب من منطقة نعرف جميعاً أنها قد تشهد تصعيداً في أي لحظة.


فجأة، لم يعد السؤال: كم بقي لنا من الوقت للوصول؟ بل أصبح: هل سترافقنا مسيّرة في الطريق؟


السؤال يبدو ساذجاً حين يُقال بصوت مرتفع. لكن في لبنان، لم يعد كذلك. فالمسيّرة التي اعتدنا رؤيتها في السماء من بعيد ليست مجرد طائرة نراقبها للحظات ثم ننسى وجودها. هي سلاح يمكنه، إذا أراد، أن يحوّل سيارة مدنية إلى هدف.


في السيارة كان هناك أطفال ومسنون. أشخاص لا علاقة لهم بكل ما يحدث، ولا يملكون سوى أن يسلكوا طريقاً للوصول إلى منزلهم. وهنا تحديداً كان الخوف أكثر قسوة. لأنك لا تعرف ماذا يمكنك أن تفعل إذا قررت الحرب أن تعترض طريقك.


*ساعة من القلق*


في منتصف الطريق، توقف أخي. كان ينتظر سيارة أخي الآخر حتى نتأكد من أنه لم يضل الطريق. أخي لا يعيش في لبنان، ولا يعرف طرقاته جيداً. لذلك، لم يعد همّنا فقط أن نصل نحن بأمان، بل أن نضمن أيضاً ألّا يخطئ الطريق، وألّا تأخذه خريطة الهاتف إلى اتجاه آخر، ربما نحو النبطية، حيث قد يجد نفسه في منطقة أقرب إلى القصف المباشر.


وفجأة، تحولت رحلة عائلية بسيطة إلى عملية حساب دقيقة للطرق والمناطق والاتجاهات. أي طريق نأخذ؟ أين نحن الآن؟ ماذا يوجد في الجهة المقابلة؟ هل الأفضل أن نكمل؟ هل الأفضل أن نعود؟


مرّت ساعة واحدة، لكنها بدت أطول بكثير. ساعة جمعت مشاعر متناقضة يصعب أن تجتمع في مكان واحد: الخوف من الطريق، والغضب من واقع لم يكن يفترض أن نعيش تفاصيله بهذه الطريقة، والضحك.


نعم، الضحك.

ضحك هستيري على واقع لا يعرف الإنسان كيف يتعامل معه إلا بالسخرية. نضحك لأننا خائفون، ونمزح لأن البديل هو أن نستسلم للقلق.


ثم تأتي الخيبة.

خيبة بلد لم يعرف، بعد كل هذه السنوات، كيف ينهي مصابه.


في صباح الرحلة، كنت أكتشف البقاع الغربي بدهشة. قرى جميلة، طبيعة ساحرة، أسعار أقل مما اعتدت عليه، وصليب إلى جانب جامع.

وفي المساء، كنت أكتشف لبنان آخر. لبنان الذي يمكن أن تتحول فيه أقصر الطرق إلى مصدر خوف، وأن يصبح السؤال عن الاتجاهات سؤالاً عن الأمان، وأن تجلس عائلة في سيارة وتفكر في مسيّرة قد ترافقها في السماء.


ربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر إيلاماً في الرحلة: أن ترى كم هو جميل هذا البلد، ثم تكتشف، بعد ساعات قليلة، كم أصبح الخوف جزءاً عادياً من تفاصيل الحياة فيه.

والأسوأ من ذلك كله، أن نكون قد اعتدنا عليه.

يقرأون الآن