الرياض تضع شروطها... اتفاق نووي مع واشنطن يربك حسابات إسرائيل


تمضي السعودية قدماً في تعزيز تعاونها النووي المدني مع الولايات المتحدة، من دون انتظار التوصل إلى اتفاق تطبيع مع إسرائيل، في وقت تتمسك فيه الرياض بإقامة دولة فلسطينية مستقلة شرطاً أساسياً لأي تطبيع مستقبلي، ما يضع تل أبيب أمام تحديات سياسية واستراتيجية متزايدة.

وبحسب مقال للواء الإسرائيلي المتقاعد يسرائيل زيف نشرته صحيفة «معاريف»، أحال الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الأسبوع اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية إلى الكونغرس، مع التأكيد أن دخوله حيز التنفيذ مرتبط بالتوصل إلى تطبيع بين المملكة وإسرائيل.

إلا أن الموقف السعودي جاء واضحاً، إذ أكدت الرياض أن التطبيع لن يتم من دون قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، تكون القدس الشرقية عاصمة لها.

الرياض تفصل الملف النووي عن التطبيع

ويرى زيف أن السعودية تتعامل مع برنامجها النووي باعتباره جزءاً من شراكتها المباشرة مع واشنطن، ولا ترى مبرراً لربطه بإسرائيل. كما تشير مواقف الرياض إلى أن التطبيع ليس مطروحاً في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، مع تفضيل الانتظار لمعرفة شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

ويعتبر الكاتب الإسرائيلي أن هذا الموقف يعكس قدرة السعودية على رفض الضغوط السياسية، لافتاً إلى أن شرط ربط الاتفاق النووي بالتطبيع لم يكن، وفق روايته، جزءاً من الاتفاق الأساسي، وإنما أضيف لاحقاً عقب اعتراضات إسرائيلية.

ويرى زيف أن استعداد الرياض لرفض هذا الشرط علناً يعكس، من وجهة نظره، قراءة سعودية مختلفة لموازين القوى في المنطقة، خصوصاً في ظل انخراط واشنطن في الملف الإيراني وما ترتب عليه من تداعيات إقليمية.

الحرب عززت الموقف السعودي

ويخلص الكاتب إلى أن الحرب لم تدفع السعودية إلى تخفيف موقفها تجاه القضية الفلسطينية، بل ساهمت، بحسب تقديره، في تشديد شروطها. فبعدما كانت الرياض تتحدث في السابق عن أفق سياسي أو مسار يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية، باتت اليوم تطالب بتحقيق هذا الهدف ضمن تسوية واضحة ومتكاملة.

ويرى زيف أن هذا التحول يمثل ضغطاً سياسياً متزايداً على حكومة نتنياهو، وقد يؤدي إلى تعزيز موقع السلطة الفلسطينية، فيما يعتبره الكاتب مكسباً سياسياً غير مباشر لحركة «حماس».

ويشير في هذا السياق إلى أن أحد أهداف هجوم 7 تشرين الأول كان، من بين أمور أخرى، عرقلة مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، معتبراً أن هذا الهدف تحقق، وفق قراءته، بعد سنوات من الحرب.

اتفاق نووي يثير مخاوف إسرائيلية

وتكمن إحدى أبرز نقاط القلق الإسرائيلي، بحسب المقال، في أن الاتفاق النووي بات أمام الكونغرس الأميركي، ومن المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ بعد 90 يوماً من انعقاد المجلس، ما لم يتخذ مجلسا النواب والشيوخ إجراءات تحول دون ذلك.

ويحذر زيف من أن الاتفاق لا يمنع، وفق ما يورده في مقاله، تخصيب اليورانيوم أو معالجة النفايات النووية، بخلاف ما عُرف بـ«المعيار الذهبي» الذي التزمت به الإمارات في اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة عام 2009.

وبناءً على ذلك، يرى الكاتب أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: برنامج نووي سعودي متقدم مع إبقاء إمكانية التخصيب مفتوحة، من دون تحقيق التطبيع الذي كانت إسرائيل تسعى إليه، ومن دون امتلاك ورقة ضغط فعالة لإجبار الرياض على تغيير موقفها.

من مكاسب ميدانية إلى تحديات استراتيجية

ويرى زيف أن هذه التطورات تمثل، من وجهة نظره، نتيجة مباشرة لمسار السنوات الثلاث الماضية، معتبراً أن المكاسب العسكرية الإسرائيلية لم تتحول إلى مكاسب استراتيجية موازية.

ويشير إلى ما يصفه بتزايد العزلة السياسية لإسرائيل، وتراجع قدرتها على التأثير في المواقف الإقليمية، بالتوازي مع استمرار التحديات التي تمثلها «حماس» و«حزب الله»، وبلورة موقف عربي أكثر تشدداً تجاه القضية الفلسطينية.

ويخلص الكاتب إلى أن جوهر المشكلة لا يتعلق بالسعودية وحدها، بل بالسياسة الإسرائيلية نفسها، معتبراً أن الرياض وجهت رسالة واضحة مفادها أن استمرار الحرب من دون أفق سياسي ستكون له كلفة متزايدة على إسرائيل.

وبحسب هذه القراءة، فإن السعودية لم تعد تربط مصالحها الاستراتيجية بانتظار موافقة إسرائيل، بل تتجه إلى تثبيت شراكتها مع واشنطن، فيما تضع القضية الفلسطينية في صلب أي مسار محتمل للتطبيع، وهو ما قد يفرض على تل أبيب إعادة حساباتها السياسية والاستراتيجية.

يقرأون الآن