دولي

حكومة المجر تُضحّي بـ"الجنائية الدولية" من أجل نتنياهو.. الأسباب ‏والتداعيات؟

حكومة المجر تُضحّي بـ

في ترحيب أوروبي نادر، وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المجر، في وقت يواجه فيه مذكرة اعتقال صادرة ضده من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لكنه بدا واثقاً أن من تجاهل بودابست لمذكرة التوقيف، والتي بدورها لم تكذب خبراً، بل أكدت بعد ساعات من وصولها أنها ستنسحب من «الجنائية الدولية».

وإمعاناً في الترحيب، وبدلاً من اعتقال نتنياهو لدى وصوله إلى بودابست، فرشت الحكومة السجادة الحمراء له واستقبلته بعزف موسيقي في قلعة بودا المطلة على نهر الدانوب، بينما اعتبر مراقبون أن الزيارة محاولة من نتنياهو وأوروبان لإثبات أن حضورهما الدولي ما زال موجوداً، وفق تقرير نشرته صحيفة الخليج.

المجر والجنائية الدولية

صادقت المجر في عام 2001 على المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية خلال الفترة الأولى التي تولى فيها أوربان منصب رئيس الوزراء، ولكن برلمانها لم يدمج شروطها مطلقاً في القانون المحلي للبلاد.

وصرح جيرجلي جولياس، رئيس ديوان أوربان، الشهر الماضي أن هذا التقصير يُعفي المجر من أي التزام بالتصرف بناءً على أحكام المحكمة. وأشار آنذاك إلى أن المجر تدرس الانسحاب من المحكمة، لكنه أكد عدم اتخاذ أي قرار بعد.

وإعلان الانسحاب يجعل المجر الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تُعلن رغبتها في مغادرة المحكمة الدولية، وترسخ هذه الخطوة مكانة أوربان كشخصيةٍ مُختلفة عن بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي، وهو دورٌ يُفضّله لأسباب سياسية محلية إلى حد كبير، وأبرزت رغبته في التحالف مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي رسالة على فيسبوك، قال كبير موظفي رئاسة الوزراء المجرية جيرجيلي جوليس، إن المجر ستبدأ عملية الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية «وفقاً للأطر الدستورية والقانونية الدولية».

ولكن الانسحاب لن يدخل حيز التنفيذ قبل عام على الأقل، وهو ما يعني أن المجر، برفضها اعتقال نتنياهو، انتهكت التزاماتها بموجب المعاهدة التي أبرمت عام 1998 والتي أسست المحكمة.

وقال المتحدث باسم المحكمة الجنائية الدولية في بيان بعد إعلان الانسحاب: «لا تزال المجر ملزمة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية».

وأعربت عدة دول أوروبية أخرى، منها فرنسا، عن تحفظاتها بشأن تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو في حال زيارته. لكن أوربان، الذي ندد في نوفمبر/تشرين الثاني بقرار المحكمة بإصدار مذكرة توقيف وردّ بدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي للزيارة، ذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكداً بشكل قاطع أن نتنياهو لن يُعتقل.

ـ أوربان والدور المختلف

لطالما تفاخر أوربان بتصوير المجر، العضو في كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، كقوة معارضة داخل أوروبا، وقد انتقد قادة أوروبا ووصفهم بـ«محرضي الحرب» لدعمهم أوكرانيا، ووصف مطالب بروكسل له بالالتزام بالقواعد بأنها اعتداء على السيادة المجرية. كما ماطل لأكثر من عام في منح موافقة المجر على انضمام السويد إلى الناتو.

وصرح أوربان سابقاً بأن المجر قررت الانسحاب لأن المحكمة الجنائية الدولية أصبحت ذات طابع سياسي، ووصف الحليف المقرب لنتنياهو، مذكرة التوقيف بأنها «ساذجة».

وبالنسبة لأوربان، فإن ترحيبه برئيس الوزراء الإسرائيلي في تحد للمحكمة الدولية يُتيح له فرصةً لوضع نفسه في دائرة الضوء وجذب انتباه واشنطن، خصوصاً أن ترامب لم يُبد اهتماماً يُذكر بالمجر منذ توليه منصبه في يناير/كانون الثاني، على الرغم من أنه لطالما كان معجباً بأوربان.

وعلى غرار نتنياهو، يواجه أوربان مجموعة من المشاكل الداخلية، بما في ذلك ارتفاع معدل التضخم، وتمتع حركة المعارضة الناشئة في البلاد، بقيادة أحد الموالين السابقين لأوربان بشعبية نوعية متزايدة.

وقبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، أشاد ترامب بأوربان ووصفه بأنه «قائد عظيم»، لكنه لم يدعُه لحضور حفل التنصيب. وأرجعت المجر ذلك إلى عدم دعوة أي زعيم أجنبي، لكن العديد منهم حضروا، بمن فيهم رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، وهي منافسة لأوربان على قيادة القوى السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا.

ـ تجاهل مذكرة الاعتقال

وتعد هذه الزيارة هي الأولى لنتنياهو إلى دولة اعترفت باختصاص «الجنائية الدولية»، حيث كانت زيارته في شهر فبراير/شباط إلى الولايات المتحدة وهي دولة شأنها شأن إسرائيل لم تعترف قط بالمحكمة الدولية.

وفي فبراير/شباط، وقع ترامب، وهو منتقد شرس للمحكمة، أمراً تنفيذياً يفرض عقوبات على المحكمة الدولية، متعهداً بفرض «عواقب ملموسة وكبيرة» على الأشخاص الذين يعملون في التحقيقات التي يُعتقد أنها تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة وإسرائيل.

وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، متهمة إياهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، ما شكل ضربة لصورة إسرائيل.

- مكاسب نتنياهو من الزيارة

بالنسبة لنتنياهو، فإن زيارة المجر توفر له فرصة لإظهار القوة في الخارج والحنكة السياسية في الداخل في وقت تتزايد فيه المعارضة لحكومته داخلياً وخارجياً، على وقع الدمار ومواصلة الحرب في غزة.

وبزيارته إلى أوروبا، يُشير نتنياهو إلى العالم بأنه لا يزال بمنأى عن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة، على الرغم من إدانة العديد من الحكومات الأوروبية لسلوك إسرائيل في الحرب على غزة. كما يسعى من خلال الزيارة إلى التلويح لمعارضيه داخل إسرائيل، حيث يواجه سلسلة متزايدة من الأزمات، بأنه لا يزال محتفظاً بمكانته الدولية، وأن الأمور مستمرة كالمعتاد.

منظمة العفو الدولية دانت زيارة المجر، واصفةً إياها بـ«محاولة ساخرة لتقويض المحكمة الجنائية الدولية وعملها»، ووصفتها بأنها «إهانةٌ لضحايا هذه الجرائم الذين يتطلعون إلى المحكمة طلباً للعدالة». وأضافت أن دعوة المجر «تُظهر ازدراءً للقانون الدولي».

- واقعتا انسحاب

انسحبت دولتان فقط من المحكمة الجنائية الدولية المكونة من 125 عضواً، وهما بوروندي والفلبين. وجاء انسحابهما رداً على فتح المدعي تحقيقات جنائية مع رئيسي حكومتيهما. وأعلنت فنزويلا أنها قد تنسحب، لكنها لم تتخذ قراراً بعد.

والدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، مثل المجر، مُلزمة باحتجاز المشتبه فيهم الذين يواجهون مذكرة توقيف إذا وطئت أقدامهم أراضيها، لكن المحكمة لا تملك وسيلةً لفرض ذلك وتعتمد على الدول للامتثال لأحكامها.

يقرأون الآن