بالتزامن مع ذكرى مرور سنة على تأليف الحكومة في عهد الرئيس جوزف عون، وقبيل انطلاق المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح في مناطق شمال الليطاني، زار رئيس الحكومة نواف سلام الجنوب بساحله وقراه الأمامية ومراكز الأقضية من صور الى بنت جبيل وصولاً إلى مرجعيون وقرى العرقوب الى شبعا والنبطية، وتميزت الزيارة بحفاوة الاستقبال خصوصا في المناطق الملاصقة للحدود مع إسرائيل مثل كفركلا، ما بدا وكأنه استفتاء شعبي أو رسالة أرادت "بيئة المقاومة" ايصالها الى الجميع مفادها ان الجنوب يريد تواجد الدولة بمسؤوليها ومؤسساتها وإدارتها تماما كما هي متواجدة في العاصمة بيروت ومختلف المناطق الاخرى.
على مدى يومين متتالين، جال رئيس الحكومة على المدن والبلدات الجنوبية والقرى الحدودية حيث اكتسبت الزيارة دلالات استثنائية بعد الاستقبال الشعبي الحاشد له، ما يؤكد توق الجنوبيين الى عودة الدولة الى الجنوب، وتوفير مقومات العيش الكريم والآمن. وتعهد سلام من هناك، ببدء اعمال ومشاريع إصلاح البنى التحتية والكهرباء والمياه والاتصالات وترميم الطرقات تمهيداً لعملية اعادة الاعمار، "ولن ننتظر انسحاب الاحتلال الاسرائيلي وسنبقى في الجنوب ولن نتركه".
أهل الجنوب متعطشون للدولة
على أي حال، بين من يعتبر ان استقبال سلام الذي يؤكد مرارا وتكرارا ان الحكومة ماضية في تنفيذ حصرية السلاح، رسالة الى الحزب قبل غيره بأن بيئته تريد العودة الى الداخل اللبناني لتعيش تحت كنف الدولة بعد أن أوصلتها الخيارات الاخرى الى الدمار والتهجير، وبين من يرى ان الدولة تؤكد اصرارها على تثبيت اقدامها على جزء من أراضيها لطالما كان خارج إطار سلطتها، اعتبر النائب عبد الرحمن البزري ان الزيارة لها أبعاد عدة، وهي ليست الاولى لرئيس الحكومة اذ زار الجنوب سابقا. هذه زيارة خاصة للقرى الحدودية. أهمية الجولة ان سلام استخدم المنطق الذي نتحدث به دائما أي ان حضور الدولة ليس فقط عسكريا وأمنيا انما اجتماعي وتربوي وثقافي وخدماتي، وهو تحدث عن الامن الوطني الذي هو أمن متكامل وليس مرتبطا فقط بالدفاع. الكل يعلم تواضع قدرة الحكومة وإمكانيتها في الاعمار، واستمرار غياب الدعم للبنان المرتبط بقضايا أخرى منها حصرية السلاح والملف الاقليمي. زيارة سلام الى الجنوب، وما قدمه ضمن الامكانيات المتاحة، خطوة ايجابية باتجاه الاهالي. وهنا لا بد من الاشارة الى ان أهل الجنوب، متعطشون للدولة، وعندما زارهم مسؤول فيها، رحبوا به. صحيح ان هناك اختلاف سياسي حول العديد من القضايا، لكن أصبح هناك قناعة عند كل القوى السياسية ان ما من أحد له مصلحة في الوصول الى انهيار السلم الاهلي. نستطيع ان نتقاطع في الكثير من الامور كما نختلف في العديد منها، وهذه احدى أهم مظاهر الوحدة الوطنية في بلد فيه تعددية سياسية.
ولفت البزري الى ان الرئيس سلام رئيس حكومة فيها وزراء من حزب الله، ومن حركة أمل، وشاركوا فيها على اساس بيان وزاري واضح لناحية بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح. لذلك، النقاشات الحالية، جزء منها مرتبط بالطريقة والاسلوب والتوقيت أكثر مما هو مرتبط بالمبدأ. استقبال أهالي الجنوب لرئيس الحكومة كان رسالة بأن الجنوب يرحب بالدولة وبما حمله سلام من خدمات ودعم.
اللبننة هي الخيار الاساسي
أما الكاتب والناشط السياسي بشارة خيرالله، فرأى ان زيارة رئيس الحكومة الى الجنوب، رسالة ان الدولة تستعيد قوتها، وهي مظهر من مظاهر قيام الدولة، معتبرا ان على حزب الله أن يفهم ان لا حياة له دون الدولة وخارجها. انتهت مرحلة ان يبني أي فريق مسلح دولته الخاصة. انها رسالة الى كل اللبنانيين للانتظام تحت سقف الدولة. اليوم، اللبننة هي الخيار الاساسي أي عدم ربط مصير الحزب بمصير النظام الايراني والمصلحة الايرانية. الدولة اللبنانية بدأت ببسط سلطتها، وهناك رئيس جمهورية وخطاب قسم تحدث عن حصرية السلاح، ومجلس وزراء وبيان وزاري يحاكي خطاب القسم، وقرارات صادرة عن حكومة فيها وزراء من الحزب، قرروا تكليف الجيش اللبناني بتنفيذ مهمة حصر السلاح. كما هناك جيش يستعيد قوته، ويقوم قائده بجولات على العواصم العالمية لشحذ الهمم لدعمه، ليستطيع القيام بمهامه على أكمل وجه. حزب الله اليوم يمثل بيئة تضررت بأكبر ضربة عرفها التاريخ الحديث، وعليها لملمة جراحها تحت سقف الدولة، وليس من خلال شعار "لبيك يا خامنئي أو لبيك يا إيران". يجب التخلي عن هذه الشعارات لأنها لن تجلب الا الموت والخراب والدمار. الشعار الحقيقي هو بناء الدولة والعيش تحت سقفها.
وشدد خيرالله على ان بيئة الحزب ستكتشف يوما بعد يوم ان الدولة خيارها الافضل، وكل مبادرة من قبل السلطة تجاهها تكون موضع ترحيب لأنها باتت على قناعة ان كل الشعارات فارغة. وأنا أرى ان الموجة الشعبية هي التي ستسيّر الحزب وليس الحزب الذي سيسيّر الشعب. الحزب كتنظيم عسكري مصنف على انه ارهابي على مستوى العالم، لم يعد بإمكانه أن يقدم أي شيء لبيئته. وبالتالي، الناس الذين يريدون مصلحتهم، وبناء مستقبل لأولادهم، هم الذين سيجرون التنظيم نحو اللبننة والمدنية، والتخلي عن السلاح والانخراط في الحياة السياسية.


