لا يخفي على أحد ان لبنان يمر بمرحلة دقيقة وحساسة ان كان لناحية إجراء أو تأجيل الاستحقاق الانتخابي المقبل أو لناحية الظروف الأمنية الشديدة الخطورة مع مضي اسرائيل في توجيه ضرباتها الى "حزب الله"، ورسائلها شبه اليومية من خلال استهداف قادته وعناصره وقواعده العسكرية ان لا تهدئة قبل خيار تسليم السلاح. كل ذلك، وسط ترقب لجلاء ما سيكون عليه الوضع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران سلماً أم حرباً لأن ذلك له انعكاساته على لبنان والمنطقة بأكملها.
إذا، يستعد لبنان لإجراء الانتخابات النيابية في أيار المقبل وسط إشكالية قانونية ترافق عملية اطلاق الحركة الانتخابية، تتمثل في الخلل القائم على مستوى الدائرة 16، وانتخاب المنتشرين، وهذا قد يشكل ثغرة قانونية تؤدي الى الطعن بمرسوم دعوة الهيئات الناخبة امام مجلس شورى الدولة. أما سياسيا، فالمعلومات المسربة تشير الى ان الدول المعنية بالملف اللبناني، العربية والغربية، تريد تأجيل الاستحقاق الانتخابي الى حين الانتهاء من ملف حصرية السلاح الذي يعتبر أولوية حاليا، ومنح حكومة الرئيس نواف سلام مزيداً من الوقت في هذا الاطار. كما ان الانتخابات النيابية لن تحمل تغييرات هامة الى الندوة البرلمانية، وبالتالي، ملف السلاح ووضع البلد على سكة التعافي الاقتصادي الاكثر أهمية في الوقت الراهن. وربما المصير المجهول للانتخابات، يفسر تروّي المرشحين من تقديم ترشيحاتهم بحيث ان عددهم لا يزال خجولا الى اليوم.
في حين ان رئيس المجلس النيابي نبيه برّي أكد أن الانتخابات النيابية في موعدها، كاشفاً لـ"الشرق الأوسط" أن أجواء الخماسية مع تأجيل الانتخابات، وأبلغهم رفضه التأجيل تقنياً أو التمديد للبرلمان. هذه الضبابية حول الملف الانتخابي على مسافة أقل من 3 أشهر، تطرح العديد من الأسئلة حولها: هل يتقدم ملف حصرية السلاح على الاستحقاق الانتخابي، وبالتالي، تتأجل الانتخابات لمدة سنتين؟ألا يشكل التمديد انتكاسة لعهد الرئيس جوزيف عون الذي لا يزال في بداياته، والذي بانتخابه فُتحت صفحة جديدة من انتظام الدولة والاحتكام الى الدستور؟ وهل التأجيل يفتح الباب للحديث عن تعديلات وزارية في الحكومة الحالية؟ وما هو المخرج القانوني للتمديد في حال حصوله خصوصا ان رئيس المجلس كما رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية يشددون على ان الانتخابات قائمة في موعدها؟
الوزير السابق رشيد درباس اعتبر في حديث لموقع "وردنا" ان الانتخابات لن تحصل في أيار المقبل، والتمديد قائم، لكن مدة التمديد مهمة، ونأمل الا تكون طويلة لأن ذلك فضيحة.
وشدد على انه لا يجوز اللعب في الاستحقاقات الدستورية لأنها كالبرنامج اليومي للانسان الذي لا يمكنه أن يستمر دون أكل وشرب أو ان يبقى صائما لمدة سنتين. اذا، الانسان يلتزم بالنظام، والاستحقاقات الدستورية هي نظام، والتغيير فيها كمن يغيّر الليل الى نهار. من حيث المبدأ، التغيير في الاستحقاقات الدستورية عبث فيما لا يُعبث به. لكن، بما اننا تساهلنا في مثل هذه الامور، بدأنا نسمح باختراق الدستور لمرة واحدة، ثم الى مرات عدة، ونسمح بتأجيل الانتخابات والتمديد للمجلس النيابي. هذا أصبح من ثقافتنا الخاطئة التي جعلت المواطن لا يحترم الدستور ولا يحترم الدولة، والدول الاخرى لا تحترمنا بدليل انها تضغط لتأجيل الاستحقاق في حين انهم لا يقومون بهذا الامر في بلدانهم. نحن سلّمنا أنفسنا بفعل الرعونة السياسية وانعدام التبصر والارادة الى مضارب الاهواءات. هل يجوز معالجة الخلل التقني في اللحظة الاخيرة؟ كل ما نراه اليوم من سجال في الملف الانتخابي، حجج بين بعض لا يريد الانتخابات، وبعض يأخذ ويعطي في التأجيل.
وعن التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، أشار درباس الى ان مثل هذه التدخلات وغيرها نراها في المنطقة بأكملها. نحن نعد أيامنا على وقع حركة البوارج الاميركية والطائرات. وننتظر ماذا سيقول ترامب. واسرائيل تسمح لنفسها في التدخل بأدق النسيج السوري كما اللبناني. وسبب هذه التدخلات الفاضحة، تعرّض الارادة الوطنية الى اضطهاد كبير من قبل ناس كانت لديهم ارتباطات خارجية فضلوها على المصالح الوطنية.
ورأى ان التمديد انتكاسة وثغرة للعهد ولرئيس الجمهورية، ولذلك هو الاكثر تمسكا في اجراء الانتخابات في موعدها. بانتخاب الرئيس عون، فُتحت صفحة جديدة في انتظام الدولة والاحتكام للقانون، ويتبين حاليا، بسبب التصعيد المحيط بنا، والتطورات في الداخل، ان الاحتكام للقانون ليس ساري المفعول . الجميع يحاول ايجاد المخرج القانوني للتمديد، لكن ما من أحد يريد أن يتبناه أو يترك بصمته عليه. يمكن أن يتم التمديد من خلال اقتراح قانون من كتلة نيابية او عدد معين من النواب أو من خلال مشروع قانون يقدمه مجلس الوزراء الى البرلمان يتضمن المبررات. هذا التمديد يمكن ان يتعرض للطعن امام المجلس الدستوري لأنه حصل بقانون، والقوانين يُطعن فيها اذا كانت تمس بالدستور. واذا حصل التمديد، تستمر الحكومة في عملها، مكتملة الصلاحيات، ولا تعتبر مستقيلة الا بعد انتخاب مجلس نيابي جديد .
وأشار درباس الى ان الانتخابات في حال حصلت لن تغير شيء في الندوة البرلمانية، لكن هذا شيء والاحتكام للمواعيد الدستورية والقانونية شيء آخر. أنا لا أقيس القانون والمواعيد الدستورية بالمصالح السياسية. القانون أولى الاولويات.


