مقالات آخر تحديث في 
آخر تحديث في 

خاص "وردنا"- جوزاف عون.. الرئيس الذي خلع قفازاته في توقيت طهران


خاص

كتب رئيس التحرير


لم يكن الرئيس الآتي من صرامة الثكنات ووضوح الخرائط العسكرية غافلاً عن قواعد اللعبة اللبنانية عندما جلس أمام كاميرا CNN.


كان الرئيس جوزاف عون يدرك تماماً أن الكلمة في بيروت قد تكون أحياناً أشد فتكاً من الرصاصة، وأن العواصم المحيطة بهذا الشرق الأوسط المشتعل لا تغفر للرؤساء خروجهم عن "النصوص المعتمدة".


لكنه قرر، بكثير من الجرأة وقليل من الدبلوماسية، أن يقلب الطاولة ويمارس المهنة الأكثر خطورة في بلد التسويات: مهنة تسمية الأشياء بأسمائها.


تُقرأ إطلالة رئيس الجمهورية كوثيقة سياسية مشحونة بالدلالات، تُفكك بأسلوب سردي عميق واقع بلدٍ تعب من الإقامة الطويلة في "غرفة العناية الفائقة". في هذا الحوار، خلع الرئيس قفازات الدبلوماسية التقليدية، ليعلن أن قصر بعبدا ضاق ذرعاً بسياسة "المساكنة الإجبارية" مع المشاريع العابرة للحدود.


حين وجّه خطابه مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني بعبارة: "لبنان بلدنا وليس بلدهم"، لم يكن يطلق شعاراً عابراً، بل كان يخطّ باللون الأحمر حدود السيادة المنهكة.


إنه يرفض، بلغة قاطعة، أن يظل وطنه مجرد "صندوق بريد" مشتعل، أو "ورقة مقايضة" تُلقى على طاولات التفاوض بين طهران وواشنطن كلما دعت الحاجة لرفع السعر أو تحسين الشروط.


يتنقل القائد في خطابه كمن يفكك ألغاماً موقوتة، مشتبكاً مباشرة مع "الروايات الجاهزة" التي احتكرت المشهد اللبناني لسنوات. باستهدافه الصريح لمواقف الشيخ نعيم قاسم، لم يكن الرئيس يساجل شخصاً، بل كان يواجه عقيدة كاملة تصر على ربط مصير بيروت بمحاور إقليمية لا تنتهي. هنا تبرز النبرة الواقعية الحزينة. الرئيس يتحدث بلسان "اللبناني المتعب"، ذلك المواطن العادي الذي سئم العيش بين ركام البيوت وهواجس النزوح المتكرر كل بضع سنوات.


إنه يضع شرعية "الرغبة في الحياة والأمان" في مواجهة شرعية "الحروب الدائمة"، معلناً أن أغلبية اللبنانيين لم تعد تملك ترف دفع أثمان حروب الآخرين من لحمها الحي.

يُظهر هذا الحوار ملامح رجلٍ يريد إعادة الاعتبار لـ"الدولة" بمفهومها الصارم والبديهي:


-احتكار السلاح والقرار: فلا شريك للمؤسسة الشرعية في الميدان، ولا شريك للحكومة في قرار السلم والحرب.

- إنهاء زمن "الساحات المفتوحة": وقف تحويل الجغرافيا اللبنانية إلى مسرح لتصريف الأزمات الإقليمية.


في المحصلة، إن كلام رئيس الجمهورية لشبكة CNN ليس مجرد تصريح عابر لشاغل قصر بعبدا، بل هو "محاولة استرداد" لبلد يكاد يضيع في زحمة الخرائط الإقليمية الجديدة.


إنه إعلان واضح بأن قطار الرئاسة قد غيّر سكّته، وأنه لن يسمح بعد الآن بأن تُكتب التنازلات اللبنانية بحبرٍ خارجي، أو بأي حبرٍ آخر غير حبر السيادة الوطنية الخالصة.

يقرأون الآن