4 آب... يوم تمزقت فيه الأحلام وتأجلت العدالة

لا تزال الغيمة الحمراء التي غطّت سماء بيروت في ذلك المساء عالقة في ذاكرتي. كلما رفعت رأسي إلى السماء، أراها من جديد، وأسمع في أذني أصوات سيارات الإسعاف والإطفاء التي لم تهدأ. كان ذلك اليوم المشؤوم، اليوم الذي لم يعد بعده شيء كما كان. لا أزال أستطيع وصف المشهد وكأنه حدث بالأمس. الناس يركضون في الشوارع، يصرخون، يبكون، يحاولون فهم ما جرى. قيل إنها غارة إسرائيلية استهدفت العاصمة، وقيل إنه انفجار، وتعددت الروايات، قبل أن تنكشف الحقيقة التي كانت أقسى من كل التوقعات.


في ذلك اليوم، اندلع حريق داخل العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، حيث كانت تُخزن نحو 2750 طناً من مادة نترات الأمونيوم منذ عام 2013، رغم التحذيرات المتكررة من خطورتها. دقائق قليلة كانت كافية ليقع أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث، فيحصد أكثر من 220 ضحية، ويصيب أكثر من ستة آلاف شخص، ويدمر أحياءً بأكملها، ويترك مدينةً تنزف وأرواحاً لن تلتئم. كانوا يعلمون بوجود هذه المواد. المراسلات والتحذيرات كانت موجودة، لكن أحداً لم يتحرك. تُركت نترات الأمونيوم في قلب العاصمة سنوات طويلة، حتى انفجرت، وسرقت الأحلام قبل الأرواح، وخطفت الابن والابنة، والأم والأب، والأخت والزوج، وتركت خلفها مدينة لا تزال تبحث عن العدالة.


قيل يومها إن التحقيق سيكشف الحقيقة خلال خمسة أيام. هكذا وعدت دولة لم تفِ بوعودها. خمسة أيام تحولت إلى ست سنوات، ولا تزال الحقيقة أسيرة الأدراج، ولا تزال العدالة تنتظر من يحررها. ست سنوات مرّت، وما زالت أم مكسورة الخاطر تجلس كل عام تحدق في الساعة، تتمنى لو أن عقاربها لا تصل إلى السادسة وسبع دقائق مساءً. لعل الزمن يتوقف قبل تلك اللحظة، لعل الأرواح تنجو، ولعل أبناءها يعودون إلى منازلهم. لكنها في كل عام تكتشف أن الزمن مضى، بينما العدالة بقيت مكانها.


وخلال هذه السنوات، شهد التحقيق القضائي في قضية انفجار مرفأ بيروت سلسلة طويلة من التعطيل، تمثلت في دعاوى الرد وكفّ اليد بحق المحقق العدلي، والخلافات بين المراجع القضائية، وامتناع عدد من المسؤولين السياسيين والأمنيين عن المثول أمام القضاء، ما أدى إلى شلل التحقيق لفترات طويلة. وفي آذار/مارس الماضي، أنهى المحقق العدلي طارق البيطار تحقيقاته وأحال الملف، الذي يضم نحو 70 متهماً، إلى النيابة العامة التمييزية تمهيداً لإصدار القرار الاتهامي. إلا أن القضية لم تشهد حتى الآن صدور قرار اتهامي نهائي، أو بدء المحاكمات، أو صدور أي أحكام أو إدانات، كما لم يعد هناك أي موقوف على ذمة القضية.


ومع مرور الوقت، أُخلي سبيل جميع الموقوفين الذين أوقفوا في المراحل الأولى بعد الانفجار، وبينهم مسؤولون إداريون وأمنيون وموظفون، ليصل الملف اليوم إلى واقع غير مسبوق يتمثل في غياب أي موقوف، رغم حجم الكارثة والخسائر البشرية والمادية التي خلفها الانفجار.


أما على الصعيد الخارجي، فلم تحقق المسارات القضائية اختراقاً يُذكر، بعدما رفض القضاء البلغاري تسليم مالك سفينة "روسوس"، التي نقلت شحنة نترات الأمونيوم إلى بيروت، ما زاد من تعقيد ملاحقة المتورطين خارج لبنان. ومع مرور السنوات، تراجعت قضية المرفأ عن صدارة المشهد اللبناني، ليس لأن جراحها التأمت، بل لأن لبنان وجد نفسه غارقاً في أزمات متلاحقة فرضت أولويات جديدة على البلاد. فمنذ أواخر عام 2023، استحوذت الحرب الإسرائيلية على لبنان وما خلفته من دمار ونزوح وسقوط آلاف الضحايا على الاهتمام العام، فيما واصلت الأزمة الاقتصادية والمالية إنهاك الدولة والمواطنين، بالتزامن مع استمرار الانقسامات السياسية وتعثر عمل المؤسسات.


وفي كل عام، يعود أهالي الضحايا والجرحى والناجون إلى المكان نفسه. يحملون صور أحبائهم، ويقفون أمام المرفأ وفي شوارع بيروت، لا لإحياء ذكرى فحسب، بل لتجديد وعد قطعوه منذ اليوم الأول: لن تُطوى هذه القضية، ولن تتحول إلى رقم في أرشيف النسيان. قد تتغير الحكومات، وتتبدل الأولويات، وتغرق البلاد في أزمات جديدة، لكن الرابع من آب سيبقى تاريخاً محفوراً في ذاكرة اللبنانيين. سيبقى اليوم الذي انفجرت فيه مدينة بأكملها، وتمزقت فيه الأحلام، وتوقفت فيه عقارب الزمن عند السادسة وسبع دقائق مساءً.


أما العدالة... فلا تزال حتى اليوم متأخرة عن موعدها.

يقرأون الآن