بقلم رئيس التحرير إبراهيم ريحان
حين تجلس لتكتب عن الجيش اللبناني وهو يطوي عامه الحادي والثمانين، تجد نفسك تبحث عن مفردات تغتسل من الغبار السائد. لبنان ليس دولة عادية، والجيش في اليرزة ليس مجرد مؤسسة عسكرية تمارس الروتين اليومي المقتطع من ميزانية الدفاع. إنه "صمام الأمان الأخير" في وطن أتقن الرقص على حافة الهاوية عقوداً طويلة.
في الأول من آب 2026، لا تبدو المناسبة مجرد احتفالية بروتوكولية تقام فيها الاستعراضات وتوزع النياشين، بل هي وقفة تأمل ثقيلة في كتاب الهموم اللبناني. في بلدٍ انكسرت فيه الهياكل المالية، وتشظت المؤسسات السياسية، وباتت الطوائف فيه دويلات مستترة أو مقنعة، ظلت هذه المؤسسة القلعة الوحيدة التي تنظر إلى الخريطة بأكملها، متجاوزة الأزقة والأحياء والتخندقات.
رجل المرحلة في زمن العواصف
يقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل، على رأس هذه القلعة في واحدة من أكثر اللحظات حرجاً وتعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط. رجل صامت، خَبِرَ جغرافيا الجنوب وتضاريس الحافة الأمامية حين كان قائداً لقطاع جنوب الليطاني، وعرف أسرار التخطيط والتكتيك حين أديرت على يديه العمليات العسكرية في اليرزة.
لم يأتِ العماد هيكل إلى هذا الموقع في زمن الرخاء، بل تسلم العصا في لحظة فارقة تتطلب مزيجاً نادراً من الصلابة والدبلوماسية؛ صلابة الحارس الذي يرفض الاستسلام أمام اعتداءات العدو الإسرائيلي وخروقاته المتواصلة، ودبلوماسية القائد الذي يدرك أن الحفاظ على السلم الأهلي الداخلي هو خط الدفاع الأول عن وجود لبنان.
في مكتبه باليرزة، لا توجد رفاهية للخطأ. حاملو النوايا السيئة من كل حدب وصوب يترقبون عثرة، والمزايدون في الداخل والخارج ينتظرون لحظة اشتباك. لكن هيكل أثبت منذ توليه القيادة أنه يدرك المعادلة جيداً: إن مهمة الجيش ليست الانجرار إلى الصدامات الداخلية، بل حماية السقف الوطني كي لا ينهار على رؤوس الجميع. حين وُضع الجيش أمام استحقاق انتشار جنوب الليطاني وتطبيق التفاهمات والقرارات الدولية وحصر السلاح، كان موقفه واضحاً كالشمس: تنفيذ الواجب الوطني بمسؤولية عالية، وتحت سقف ألا تتحول المهمة العسكرية إلى شرارة لاقتتال داخلي.
جنوب الليطاني وبزّة الشرف
حين تنظر إلى الجنوب اليوم، تجد العسكري اللبناني يقف بثبات بين مطرقة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وسندان التجاذبات السياسية. إن انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني واستكماله لخطة تثبيت السيادة ليس مجرد بندٍ في قرار دولي كالقرار 1701، بل هو التجسيد العملي لمعنى الدولة. الجندي الذي يقف على الحاجز في بلدة حدودية، براتب أكلته الأزمات الاقتصادية وتآكلت قيمته الشرائية، لا يقف هناك بفضل الإمكانيات المادية، بل بفضل العقيدة الوطنية الصلبة التي تنبض تحت البزة العسكرية.
إن المقاربة التي يتبعها العماد رودولف هيكل في إدارة ملف الجنوب وحصر السلاح تثبت حسها الاستراتيجي. هو يعلم أن القوة الحقيقية للمؤسسة العسكرية لا تكمن فقط في الترسانة العتيدة، بل في "الشرعية الشعبية" والالتفاف الوطني حولها. لقد نجحت القيادة الحالية في إرساء توازن دقيق: الحفاظ على التنسيق الوثيق مع القوات الدولية (اليونيفيل)، والتمسك بحق لبنان المطلق في أرضه وسيادته، وفي الوقت نفسه حماية النسيج الاجتماعي من أي انزلاق نحو الفتنة.
لماذا ينبغي أن نلتف حول اليرزة؟
في الشرق الأوسط المنكوب بالحروب والصراعات المفتوحة، تحولت مؤسسات عسكرية كثيرة إلى أدوات في يد أنظمة أو فصائل. وحده الجيش اللبناني نجح في أن يظل "جيش الوطن" لا "جيش السلطة"، و"مظلة الجميع" لا "طرفاً في النزاع".
الوقوف إلى جانب الجيش اليوم وإسناد قائده العماد رودولف هيكل ليسا خياراً سياسياً يحتمل الرفض أو القبول، بل هما ضرورة وجودية. إن إضعاف المؤسسة العسكرية أو التشكيك في قيادتها في هذه المرحلة بالذات هو بمثابة إطلاق النار على آخر شباك أمان يمنع السقوط في الهاوية. ينبغي على القوى السياسية، بمختلف أطيافها، أن تدرك أن التذاكي على الجيش أو محاولة استدراجه إلى المزاريب الضيقة لن ينتج عنه سوى خراب الفراغ. إن دعم الجيش يتطلب توفير الإمكانيات المادية واللوجستية للضباط والجنود الذين يحملون أرواحهم على أكفهم، وتوفير الغطاء السياسي الذي يتيح للقيادة العسكرية المضي قدماً في تنفيذ خططها لحماية الحدود وضبط الأمان في الداخل.
كلمة أخيرة
في عيده الحادي والثمانين، يرسل الجيش اللبناني رسالة صامتة لكنها مدوية: "نحن هنا كي يبقى لبنان". وفي اليرزة، يواصل العماد رودولف هيكل إدارة السدف العاصف بهدوء الحكماء وعزيمة القادة.
قد تتغير قواعد اللعبة الإقليمية، وقد تتبدل موازين القوى الدولية، لكن الثابت الوحيد في هذه المعادلة الشرق أوسطية المعقدة هو أن لبنان لا يملك رفاهية الاستغناء عن جيشه. تحية لجنود يكتبون بالصبر بذور الغد، وتحية لقيادة حكيمة تدرك أن العبور نحو الدولة الناجزة يبدأ من النقطة التي تقف عندها جزمة الجندي على الحدود.


