مقالات آخر تحديث في 
آخر تحديث في 

خاص "وردنا"- مصباح خليل: هيبة المؤسسة وحكمة العقل


خاص

بقلم رئيس التحرير: إبراهيم ريحان


لم يغادر مصباح خليل بزة العسكر، حتى وإن أبدل قماشها المُموَّه بوقار المكاتب التنفيذية. العسكري الحقيقي لا يتقاعد من هيبته. يحمل أسلوبه في نظرة العين، وتدقيق التفاصيل، وإدارة المساحات المعقدة.


من صخب الثكنات إلى صمت المكاتب الأمنية والإدارية، يدرك العارفون بمسار العميد الدكتور مصباح خليل أن الرجل أتقن منذ البداية لعبة لا يجيدها الكثيرون: كيف يجلس في نقطة تقاطع الظل والضوء دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.


في جغرافيا الشرق الأوسط المفتوحة على شتى أشكال الرياح، وفي لبنان تحديداً حيث تصبح الحدود والأجهزة الأمنية والمؤسسات الحيوية أشبه بصفوف خلفية لصفقات وإقليم يتنفس التوتر، يعلم الضابط المتمرس أن الهيبة ليست مجرد نسر يُرفع على الكتف، بل صياغة يومية لمهارة القراءة بين السطور.


ابن الغبيري الشاب الذي اختار المؤسسة العسكرية في زمن تشكل لبنان الجديد بعد الحروب، أدرك أن العصر لم يعد يحتمل الضابط التقليدي الذي يكتفي بصرامة الأوامر. خاض المسار العسكري كاملاً، لكنه أرفقه بمسار علمي لم يهدأ، فحصل على الدكتوراه في إدارة الأعمال ولم يتوقف عن العكوف على أبحاث الدراسات الاستراتيجية. كان يدرك أن العالم الذي يتغير بسرعة يفرض على أبناء الأجهزة أن يقرأوا خرائط الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا بالقدر نفسه الذي يقرأون فيه خرائط التضاريس والانتشار الأمني.


في مديرية المخابرات بالجيش اللبناني، حيث تتداخل الملفات الصعبة وتنصهر خطوط التماس السياسية والأمنية، كان خليل في قلب المحركات المعقدة. تشهد له أروقة الأمن الإستراتيجي، من فرع مكافحة الإرهاب والتجسس وصولاً إلى فرع الإعلام.


هناك، في فرع الإعلام بالذات، يخوض الضابط الامتحان الأشد قسوة: كيف تزن الكلمة بميزان الجوهرجي؟ فالكلمة الأمنية في بلد مثل لبنان ليست مجرد بيان أو تصريح. إنها الرسالة التي قد تهدئ الشارع أو تشعله، وهي الرسالة التي تلتقطها سفارات وعواصم قبل أن تصل إلى الصحف المحلية. أتقن مصباح خليل لعبة التواصل هذه. يتحدث حين يستدعي الواجب، ويتقن الصمت الخلاق حين تكون الحكمة في الاحتفاظ بآخر الأوراق.

تنقل في المحطات المفصلية، مر بمسؤوليات في لواء الحرس الجمهوري، وحضر في الدورات التدريبية المتقدمة للتخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات والوساطة. كانت تلك التجربة الطويلة صقلاً لهوية ضابط يُدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الحكمة وإدارة العقول والتوازنات قبل استخدام الأدوات الصلبة.


وحين احتاجه الموقع الجديد في رئاسة المجلس الأعلى للجمارك، حمل معه منطق المؤسسة العسكرية إلى مؤسسة تقف على خط التماس المالي والاقتصادي والأمني للدولة. إذ إن الجمارك ليست مجرد أرقام ورسوم وبيانات جمركية. إنها السيادة الوطنية في أصفى صورها، هي المعبر والميناء والحدود، وهي الخط الذي يفصل بين انتظام الدولة وتفلت الاقتصاد الموازي.


دخل العميد خليل إلى هذا الملف الملغوم بالصعوبات، مدركاً أن الإصلاح في المؤسسات الرقابية يتطلب جرأة العسكري ودقة الأكاديمي. لم يأتِ ليبني مجداً شخصياً، بل ليفرض الانتظام العام، ويُعيد رسم حدود الشفافية في رفد الخزينة المتهالكة، ويؤكد أن رجل الدولة الحقيقي هو من يترك أثراً في المؤسسة التي يديرها قبل أن تغادره الأسماء والألقاب.


في شخصية مصباح خليل، تجد انضباط الضابط اللبناني الذي خبر الأزمات ولم ينكسر أمامها، وهدوء الباحث الذي يزن الخطوة قبل أن يخطوها. رجل متأهل وأب لابنتين، اختار أن تكون سيرته مزيجاً بين صرامة البدلة العسكرية ومبشر الكفاءة الإدارية.


تتغير الأحوال في لبنان، وتبتعد عواصف وتأتي أخرى، لكن بعض الوجوه تبقى مؤشراً على وجود الركائز الصلبة التي تحمي الدولة من الانهيار الكامل. يبدو العميد الدكتور مصباح خليل واحداً من أولئك الذين يفضلون الإنجاز في الميدان وفي العمل الرقابي الأكاديمي، تاركين لأفعالهم وقراراتهم أن تروي الحكاية، في وطن يتقن جهازه الأمني تعبئة الفراغات الحساسة حين تضطرب السياسة وتلتبس المواقف.

يقرأون الآن