يبدو كوكب الأرض بالنسبة لنا مكاناً مثالياً إلى حد يثير الدهشة، فالمياه السائلة والهواء القابل للتنفس ودرجات الحرارة المستقرة تمنحنا انطباعاً بأنه كوكب طبيعي، لكن هذا الانطباع يتلاشى عندما ندرك مدى ندرة هذا المزيج من الظروف في الكون.
الآن، يدفع اكتشاف علمي جديد الباحثين إلى التوقف وإعادة التفكير، فهناك عالم بعيد يشبه الأرض من بعيد، لكنه عند الاقتراب منه يتحول إلى شيء مختلف تماماً، وما يكتشفه العلماء عن هذا "الشبيه المتجمد بالأرض" قد يغير طريقة فهمنا لمدى شيوع أو ندرة الكواكب القابلة للسكن مثل كوكبنا.
تبقى الأرض المكان الوحيد المعروف بوجود حياة عليه حتى الآن، وهذه ليست مجرد حقيقة علمية لطيفة، بل هي الأساس الذي نبني عليه تصورنا عن تركيب الكواكب وإمكانات الحياة في الكون.
فالأرض تملك مزيجاً استثنائياً، من مياه سائلة، وغلافاً جوياً يحميها، وحرارة مستقرة، ودرعاً مغناطيسية تقيها من الإشعاعات القاتلة، هذا الخليط الذهبي نادر للغاية، وهو ما يجعل كوكبنا متفرداً.
لكن علماء الفلك يعرفون أيضاً أن الكواكب التي تشبه الأرض ليست مجرد استثناءات نادرة، فبفضل مهمات مثل تلسكوب "Kepler" و"TESS" التابعين لوكالة ناسا، تم رصد عشرات الكواكب الصخرية التي تدور حول نجوم أخرى، وبعضها يقع فعلاً داخل ما يعرف بالمنطقة الصالحة للحياة، أي المكان الذي قد تسمح حرارته بوجود مياه سائلة، بحسب ما ذكره موقع "Eco Portal"، واطلعت عليه "العربية Business".
ومن بين هذه الاكتشافات، ظهر مؤخراً كوكب بحجم قريب من حجم الأرض، يدور حول نجم يشبه الشمس، ويكمل دورته في نحو عام واحد تقريباً.
هنا يتولد السؤال الكبير: هل الأرض استثناءً نادراً، أم مجرد واحدة من مجموعة من "الأراضي الأخرى" المنتشرة عبر المجرة؟
يركز علماء الفلك بحثهم على منطقة محددة حول كل نجم، تُسمى منطقة "غولدي لوكس" - تماماً كقصة الفتاة التي تبحث عن "المناسب تماماً".
في هذه المنطقة، لا تكون الحرارة مرتفعة إلى حد تبخير الماء، ولا منخفضة إلى حد تجميده بشكل دائم، إنها النقطة المثالية لوجود الماء السائل، والذي يعتبره العلماء العنصر الأكثر أهمية للحياة كما نعرفها.
وقد أثمرت هذه الاستراتيجية بالفعل، إذ كشفت مهمات ناسا عن عشرات الكواكب التي تقع داخل هذه المنطقة، بما في ذلك كواكب صخرية تشبه الأرض، مثل "Kepler‑22b" وغيرها من العوالم التي تدور حول نجوم قزمة حمراء، حيث قد تتوفر ظروف تسمح بوجود الماء السائل.
العثور على "توأم الأرض المتجمد"
وفي اكتشاف حديث، حدد الفلكيون كوكباً يثير الفضول والحيرة معاً: "HD 137010 b"، وهو كوكب صخري ظهر عبر تحليل بيانات تلسكوب كيبلر باعتباره عالماً مقارباً في حجمه للأرض، ويدور حول نجمه خلال 355 يوماً تقريباً – يعادل عام أرضي تقريباً.
لكن الشبه ينتهي عند هذا الحد، فالنجم الذي يدور حوله هذا الكوكب أبرد وأخفت من الشمس، ما يعني أن HD 137010 b يتلقى أقل من ثلث كمية الضوء والحرارة التي نستقبلها على الأرض، وبالمقاييس الفضائية، فهذا يجعله نسخة متجمدة من كوكبنا.
ومع ذلك، يبقى موقعه مدعاة للدهشة، فمداره يضعه بالقرب من الحافة الخارجية للمنطقة الصالحة للحياة، أي في المكان الذي قد تسمح ظروف محددة بوجود ماء سائل على سطحه، وتشير دراسة نشرت عبر منصة "Science Daily" إلى أن احتمال وجوده فعلاً داخل هذه المنطقة يتراوح بين 40% و51%.
هل يمكن أن يحتوي على مياه؟ أو حياة؟
تلك الأسئلة لم تعد مجرد تخمينات فلسفية، بل أصبحت جزءاً من نقاش علمي جاد، فهل يمكن لعالم جليدي كهذا أن يدعم الحياة يوماً ما؟ وهل يمكن لغلاف جوي كثيف أن يحتجز حرارة كافية ليجعل الماء السائل ممكناً؟
حتى الآن لا توجد إجابات قاطعة، لكن العلماء أصبحوا قريبين بما يكفي ليطرحوا الأسئلة الحقيقية – تلك التي قد تغير نظرتنا لندرة كوكب الأرض.. وربما لمكانتنا في الكون.


