نقل الجيش الإسرائيلي قواعد الاشتباك في الحرب مع إيران إلى منطقة جديدة، بالإعلان عن تنفيذ ضربات جوية استهدفت سفنا تابعة للبحرية الإيرانية في مدينة بندر أنزلي الساحلية المطلة على بحر قزوين، ما أثار تساؤلات بشأن احتمالات فتح جبهة جديدة خارج مسرح المواجهة التقليدي.
وبحسب بيانات عسكرية إسرائيلية، نُفذت الضربات بواسطة سلاح الجو اعتمادا على "معلومات استخباراتية دقيقة"، في خطوة وصفت بأنها الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب، إذ لم يسبق استهداف مواقع داخل شمال إيران بهذا الشكل المباشر.
وأفادت القناة 12 الإسرائيلية، أن سلاح الجو الإسرائيلي استهدف قاعدة للبحرية الإيرانية في مدينة بندر أنزلي، وهي أكبر ميناء إيراني على ساحل بحر قزوين، مشددة على أن "هذه هي أول ضربة تنفذها إسرائيل ضد البحرية الإيرانية في بحر قزوين". كما جرى تداول مقاطع فيديو توثق وقوع عدة انفجارات بالتزامن مع تنفيذ تلك الضربات.
ويُعد بحر قزوين، الذي تتشاطأ عليه عدة دول من بينها إيران وروسيا، منطقة ذات حساسية جيوسياسية مرتفعة، ولم يشهد تاريخيًا نشاطا عسكريا مباشرا بين أطراف صراعات الشرق الأوسط، ما يجعل أي هجوم فيه تطورا نوعيا في نطاق المواجهة، في الوقت الذي يرى محللون أن هذا التصعيد قد يعكس تحولًا في الاستراتيجية الإسرائيلية نحو توسيع مسرح العمليات واستهداف العمق الإيراني في مناطق غير تقليدية، مع توسيع الضغط على القدرات البحرية الإيرانية.
بدوره، اعتبر كبير محللي الشؤون الروسية في مجموعة الأزمات الدولية، أوليغ إغناتوف، في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "هذا التصعيد يُعد بطبيعة الحال تطورًا خطيرًا في مسار الصراع، إذ يرفع من احتمالات وقوع حوادث في بحر قزوين قد تشمل أطرافًا ليست منخرطة بشكل مباشر في النزاع حتى الآن"، مشيرًا إلى أن "روسيا تنظر إلى هذا الهجوم بشكل سلبي، كما هو موقفها من مجمل العملية العسكرية الراهنة".
وشدد على أنه "لا توجد التزامات دفاع مشترك بين إيران وروسيا"، موضحًا أنه في مثل هذه الحالة قد تلجأ موسكو إلى مطالبة كل من إسرائيل والولايات المتحدة بوقف تنفيذ مثل هذه الهجمات، لا سيما تلك التي تستهدف مواقع في بحر قزوين.
وأضاف: "مثل هذه الضربات تنطوي على مخاطر تطال جميع دول بحر قزوين، بما في ذلك روسيا، وأتحدث هنا عن خطر وقوع حوادث، على سبيل المثال، إذا تم استهداف هدف روسي عن طريق الخطأ بدلًا من هدف إيراني، فإن ذلك سيكون أمرًا غير مرغوب فيه بالنسبة للجميع".
وأوضح "إغناتوف" أن "أي توسع في نطاق الصراع قد يحمل تبعات خطيرة في المستقبل القريب".
طريق إمداد
بدورها، اعتبرت صحيفة "إسرائيل هيوم" الإسرائيلية، أن "الضربة الإسرائيلية غير المسبوقة على بندر أنزلي توسع الحرب خارج المناطق التقليدية، وتستهدف ممرًا رئيسيًا يُستخدم لنقل الأسلحة بين طهران وموسكو، مع إشارة إلى تصعيد بحري أوسع".
وذكرت أن بندر أنزلي يعد مقر القاعدة الرئيسية لأسطول البحرية الإيرانية الشمالي، ويلعب الميناء دورا مركزيا في طريق التجارة البحرية بين إيران وروسيا، لكن منذ حرب أوكرانيا، أصبح بحر قزوين "ممر تهريب رئيسيًا"، إذ كانت السفن الإيرانية والروسية تقوم بانتظام بإيقاف أنظمة التتبع الخاصة بها ونقل البضائع بين موانئ إيرانية مثل أنزلي وأمير آباد والميناء الروسي أستراخان، بحسب الصحيفة الإسرائيلية.
وأشارت إلى أن طهران استخدمت هذا الطريق لإرسال طائرات بدون طيار وصواريخ وذخائر وقذائف هاون إلى موسكو لاستخدامها ضد أوكرانيا، بهذه الطريقة، أصبح بحر قزوين –الذي يبدو ظاهريًا غير مرتبط بمناطق القتال– شريان إمداد حيوي.
ونفذت أوكرانيا ضربات في المنطقة عدة مرات في محاولة لتعطيل طريق الإمداد بين إيران وروسيا، ففي نوفمبر 2024، هاجمت أهدافًا في بحر قزوين لأول مرة، عندما أصابت طائرات بدون طيار الميناء الروسي كاسبيسك في منطقة داغستان، مقر أسطول بحر قزوين الروسي، وأفادت تقارير بإلحاق أضرار بسفينتي صواريخ.
وفي أغسطس 2025، هاجمت القوات الأوكرانية سفينة شحن روسية في المنطقة كانت تحمل معدات وذخيرة من إيران، بما في ذلك مكونات طائرات بدون طيار، مما أدى إلى غرقها جزئيًا.
من موسكو، رأى الباحث في الشأن الروسي تيمور دويدار، أن الهجوم الإسرائيلي الأخير يأتي في إطار "نهج" يستهدف توسيع رقعة الصراع العسكري، بحيث لا يظل محصورًا في منطقة بعينها داخل إيران فحسب، بل يمتد إلى نطاق جغرافي أوسع، معتبرًا أن أن التحركات الإسرائيلية، لا سيما استهداف مناطق مطلة على بحر قزوين، تحمل في طياتها رسائل غير مباشرة على دول مثل روسيا وأذربيجان وكازاخستان.
وأوضح لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "الأوساط الرسمية في روسيا تدرك أبعاد التحركات الإسرائيلية، وهو ما يفسر حالة الحذر من احتمالات توسع الحرب إلى مسارات أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل تشابك المصالح الروسية التي لا تقتصر على إيران أو بحر قزوين فقط".
وفيما يتعلق بالدور الروسي في حرب إيران، لفت إلى أنه "قد يظل في إطار التنسيق الاستخباراتي غير المباشر، دون أي تدخل مباشر، خصوصًا في ظل انشغال موسكو بمواجهتها على الأراضي الأوكرانية، مرجحًا أن يظل الدور الروسي محدودًا نسبيًا خلال المرحلة المقبلة"، مشددا على أن اتساع دائرة التصعيد يضع المنطقة أمام "منعطف شديد الخطورة"، في الوقت الذي تأمل روسيا كغيرها من العديد من الدول لتفادي الانجرار إلى هذا المسار.


