كتب فاروق عيتاني
ليست المسألة توقّع نهاية قريبة أو بعيدة للحرب، بل فهم طبيعتها: نحن أمام حرب لا تبحث عن خاتمة، بل عن إدارة دائمة للتوتر. كل قراءة تستعجل الإقفال—ومنها قراءة منير الربيع في موقع مدن اليوم —تغفل أن معيار التوقف ليس عدد الضربات ولا اتساع الجبهات، بل لحظة الاقتناع الداخلي لدى الأطراف بأنها أنجزت ما يكفي. هذه اللحظة لم تحضر بعد، بل تبدو أبعد مما كانت عليه، لأن كلاً من المعسكرين يتصرف على قاعدة أنه لم ينتصر ولم يُهزم، وهذا أخطر توازن ممكن: توازن يمدّد الحرب بدل أن يطويها.
في جهة أولى تقف إيران، لا كدولة فحسب، بل كنظام نفوذ ممتد عبر أذرع عسكرية وسياسية. وظيفة هذه الأذرع ليست الحسم بل الاستنزاف: إبقاء الخصم في حالة انكشاف دائم، وتوزيع الكلفة على مسارح متعددة، وتحويل كل جبهة إلى ورقة تفاوض. منطق العمل هنا تراكمي لا صاعق؛ ضربات محسوبة، ورسائل مضبوطة الإيقاع، وحدود لا تُلغى بل يُعاد رسمها كل مرة. لذلك لا تبدو طهران معنية بنهاية سريعة، لأن نهاية كهذه تعني تثبيت توازن لم تنضج شروطه بعد.
في الجهة المقابلة، تتحرك إسرائيل بإسناد مباشر من الولايات المتحدة. الهدف المعلن هو الردع، لكن الأداة الفعلية هي إدارة التفوق: ضربات دقيقة، سيطرة على الإيقاع، ومنع الخصم من تحقيق صورة نصر. غير أن هذا التفوق لا يتحول إلى حسم، لأن الحسم يتطلب أثمانًا سياسية وعسكرية لا تبدو واشنطن مستعدة لدفعها. وهكذا يتكرس نمط قتال يُبقي الصراع حيًا دون أن يسمح بانفجاره الكامل أو موته النهائي.
الخاسرون الحقيقيون يقفون على تخوم النار: دول الخليج، وبلدان المشرق، وامتدادات آسيا القريبة، ولبنان في الصدارة. هذه الجغرافيا تدفع الكلفة بلا قدرة على تقرير المسار: أمن هش، اقتصاد معطّل، وسيادة منقوصة. هنا تتحول الحرب إلى مناخ يومي، لا حدث طارئ؛ إلى ضغط مستمر يعيد ترتيب الأولويات ويُنتج وقائع لا تُمحى بسهولة.
لكن من قلب هذا الضغط ييتولد ملامح جديدة لعرب آسيا. ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها: سياسات أكثر حذرًا، تحالفات أكثر براغماتية، وإعادة تعريف لمفهوم الأمن يتجاوز الشعارات إلى حسابات البقاء. إنها ولادة بطيئة، قاسية، لكنها حتمية؛ لأن الإقليم، وقد دخل زمن الحرب المستدامة، لن يخرج منه إلا بصورة مختلفة، أقل أوهامًا وأكثر انكشافًا على حقائق القوة و أشد اندفاعا وإصرار ا لبناء قوة ذاتية موازية لإيران واسرائيل واعادة ربط عرب غربي آسيا مع الشرق الآسيوي عبر ميناء شاطئ حضرموت - السعودية


