في ظل تحولات متسارعة في بنية الأمن الدولي، تعيد تركيا صياغة موقعها داخل حلف شمال الأطلسي، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وقدراتها العسكرية المتنامية، في وقت تواجه فيه أوروبا معادلة معقدة بين الاعتراف بأهمية أنقرة والاستمرار في التعامل معها بحذر. ويأتي ذلك في سياق بيئة دولية متقلبة وتباينات متزايدة داخل الحلف، خاصة مع اختلاف الرؤى بين أميركا والدول الأوروبية حول مستقبل الأمن الجماعي.
وتحمل زيارة الأمين العام للحلف مارك روته إلى أنقرة دلالات استراتيجية تتجاوز الإطار البروتوكولي، إذ تعكس مؤشرات على إعادة تشكيل التوازنات داخل الناتو، خصوصًا مع اقتراب القمة المرتقبة في تركيا. ويرى مراقبون أن هذه الزيارة تندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تقييم أدوار الدول الأعضاء، في ظل صعود أدوار إقليمية فاعلة مثل تركيا.
في المقابل، تدفع أوروبا نحو بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالًا، غير أن هذا التوجه يصطدم بواقع القدرات، حيث يصعب تجاهل الدور التركي، خاصة أن الجيش التركي يُعد من بين الأكبر والأكثر خبرة داخل الحلف. ويعكس هذا التباين ما يصفه بعض الباحثين بـ"العمى الاستراتيجي" في بعض الأوساط الأوروبية، لا سيما في ظل تصريحات صادرة عن أورسولا فون دير لاين، التي أثارت جدلًا بشأن موقع تركيا في المعادلة الأمنية الأوروبية.
وعلى المستوى العسكري، تتبنى أنقرة تحولات نوعية في عقيدتها القتالية، من خلال التركيز على الحروب الحديثة وتطوير وحدات هجومية مرنة وسريعة الحركة، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية منخفضة التكلفة مثل المسيّرات. ويُنظر إلى هذه المقاربة على أنها قد تشكل نموذجًا جديدًا داخل الناتو، خاصة مع تزايد أهمية الحروب غير التقليدية.
كما تعزز تركيا موقعها كفاعل متعدد الأبعاد داخل الحلف، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا دبلوماسيًا، من خلال انخراطها في ملفات إقليمية معقدة تمتد من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط. ويجعل هذا الامتداد من أنقرة عنصرًا لا غنى عنه في أي تصور أمني أوروبي مستقبلي، خصوصًا في ظل التحديات المرتبطة بـروسيا وإيران.
ومع ذلك، فإن هذا الدور المتصاعد يفرض على تركيا موازنة دقيقة بين التزاماتها داخل الناتو ومصالحها الإقليمية، خاصة في حال تصاعد التوترات مع قوى كبرى. ويؤكد خبراء أن أي بنية دفاعية أوروبية تستبعد تركيا ستكون غير مكتملة، سواء من الناحية التقنية أو الجيوسياسية، ما يعزز من أهمية إعادة النظر في طبيعة الشراكة بين الجانبين.


