يشكل المسلمون الشيعة إحدى أكبر الطوائف الإسلامية في العالم. حيث ينتشرون في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. ويعود الانقسام التاريخي بين السنة والشيعة إلى بدايات التاريخ الإسلامي بعد وفاة النبي محمد ﷺ. حين اختلف المسلمون حول مسألة الخلافة والقيادة السياسية والدينية. ومع مرور القرون. تطورت الطائفة الشيعية إلى مدارس ومذاهب متعددة. أبرزها الشيعة الإثنا عشرية والزيدية والإسماعيلية. وأصبحت جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي والسياسي في عدد كبير من دول الشرق الأوسط.
تتميز منطقة الشرق الأوسط بتنوعها المذهبي والديني. ويحتل الشيعة فيها حضوراً ديموغرافياً مؤثراً يختلف من دولة إلى أخرى. ففي بعض البلدان يشكل الشيعة أغلبية سكانية واضحة. بينما يمثلون في دول أخرى أقليات ذات ثقل اقتصادي أو سياسي أو ثقافي. كما لعبت التحولات السياسية والصراعات الإقليمية دوراً مهماً في إبراز تأثير المجتمعات الشيعية خلال العقود الأخيرة. خصوصاً في العراق ولبنان واليمن والخليج العربي.
نسبة الشيعة في الشرق الأوسط: التوزع الديموغرافي والتأثير التاريخي والسياسي

تتراوح نسبة المسلمين الشيعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين 30% إلى 40% من إجمالي السكان المسلمين. وفقاً لتقديرات عدد من مراكز الدراسات والأبحاث الدولية مثل مركز بيو للأبحاث. وتختلف هذه النسبة بحسب تعريف الفئات المذهبية المشمولة ضمن التقديرات. إذ تشمل بعض الإحصاءات العلويين والزيديين والإسماعيليين ضمن الطيف الشيعي الواسع.
ويتركز الوجود الشيعي بشكل أساسي في إيران والعراق ولبنان والبحرين واليمن. إضافة إلى وجود أقليات مؤثرة في السعودية والكويت وسوريا ودول الخليج الأخرى.
دول يشكل فيها الشيعة الأغلبية
إيران
تعتبر إيران المركز الأكبر للشيعة الإثني عشرية في العالم. إذ تتراوح نسبتهم بين 90% و95% من السكان. ويُعد المذهب الشيعي الإثني عشري المذهب الرسمي للدولة منذ العصر الصفوي في القرن السادس عشر. حين تم اعتماده كهوية دينية وسياسية لإيران.
تلعب المرجعيات الدينية في إيران دوراً محورياً في الحياة السياسية والاجتماعية. كما تضم البلاد مدناً دينية بارزة مثل قم ومشهد التي تستقطب ملايين الزوار سنوياً من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
العراق
يشكل الشيعة في العراق أغلبية سكانية تتراوح بين 64% و69% من إجمالي السكان. ويتركز وجودهم في جنوب العراق ووسطه. خصوصاً في مدن النجف وكربلاء والبصرة.
يمتلك العراق أهمية دينية استثنائية لدى الشيعة بسبب احتضانه مراقد الأئمة ومراكز الحوزات العلمية الكبرى. وبعد عام 2003. برزت الأحزاب والقوى الشيعية بشكل واضح في الحياة السياسية العراقية. وأصبح للشيعة دور محوري في إدارة الدولة وصنع القرار السياسي.
البحرين
يمثل المواطنون الشيعة أغلبية سكانية في البحرين بنسبة تتراوح بين 60% و70% من السكان الأصليين. رغم وجود تنوع ديني ومذهبي داخل المملكة. ويتركز الشيعة في عدد من المدن والقرى الرئيسية. ولهم حضور تاريخي قديم في الجزيرة.
شهدت البحرين خلال العقود الماضية نقاشات سياسية واجتماعية مرتبطة بالمشاركة السياسية والتوازنات المذهبية. ما جعل الملف الطائفي جزءاً من المشهد الداخلي والإقليمي.
أذربيجان
تصنف أذربيجان أحياناً ضمن الشرق الأوسط الموسع. ويبلغ عدد الشيعة فيها نحو 65% إلى 75% من السكان. ويغلب على المجتمع الأذربيجاني الطابع العلماني. رغم الخلفية الشيعية التاريخية للبلاد.
دول تضم طوائف شيعية بارزة ومؤثرة
لبنان
يشكل الشيعة في لبنان ما بين 30% و35% من السكان. ويعتبرون إحدى أكبر الطوائف اللبنانية. ويتركز وجودهم بشكل رئيسي في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
للطائفة الشيعية حضور سياسي واجتماعي وعسكري مؤثر في لبنان. كما تشارك بقوة في النظام السياسي القائم على التوازن الطائفي. وتلعب المؤسسات الدينية والاجتماعية التابعة للطائفة دوراً مهماً في الحياة العامة اللبنانية.
اليمن
يشكل الزيديون وهم أحد الفروع الرئيسية للمذهب الشيعي. نسبة تتراوح بين 35% و40% من سكان اليمن. ويتمركزون بشكل خاص في شمال البلاد.
ويختلف المذهب الزيدي عن المذهب الإثني عشري في عدد من الجوانب الفقهية والعقائدية. إلا أنه يُدرج ضمن الطيف الشيعي العام. وقد أصبح الحديث عن الزيديين أكثر حضوراً في الإعلام والسياسة خلال السنوات الأخيرة بسبب تطورات الحرب اليمنية.
الكويت
تتراوح نسبة المواطنين الشيعة في الكويت بين 20% و30%. ويتمتعون بحضور اقتصادي وتجاري وسياسي بارز. ويشارك الشيعة في البرلمان والحكومة والحياة العامة بشكل ملحوظ مقارنة ببعض دول المنطقة.
كما تعرف الكويت بوجود حالة من التعايش النسبي بين الطوائف المختلفة. رغم تأثرها أحياناً بالتوترات الإقليمية.
دول تضم أقليات شيعية بنسب متفاوتة
السعودية
يتواجد الشيعة في المملكة العربية السعودية بشكل رئيسي في المنطقة الشرقية. خصوصاً في القطيف والأحساء. وتقدر نسبتهم بين 10% و15% من المواطنين.
ويمارس الشيعة دوراً اقتصادياً واجتماعياً مهماً في المنطقة الشرقية التي تعد من أبرز مناطق إنتاج النفط في المملكة.
سوريا
تبلغ نسبة المجموعات الشيعية في سوريا. بما في ذلك العلويون والإسماعيليون والشيعة الإثنا عشرية. نحو 13% إلى 15% من السكان. ويشكل العلويون النسبة الأكبر ضمن هذا التصنيف.
وقد لعبت التركيبة المذهبية دوراً مهماً في المشهد السياسي السوري خلال العقود الماضية. خاصة مع استمرار الصراع السوري منذ عام 2011.
الإمارات وقطر وعُمان
تضم دول الخليج الأخرى مثل الإمارات وقطر وعُمان مجتمعات شيعية متفاوتة الحجم. تتراوح نسبتها بين 5% و10% من السكان. ويتركز وجودهم غالباً في المدن التجارية والمناطق الساحلية.
تركيا
تحتضن تركيا مجتمعاً علوياً كبيراً يُقدّر بنحو 10% إلى 15% من السكان. ورغم وجود اختلافات عقائدية وثقافية بين العلويين الأتراك والشيعة الإثني عشرية. فإن بعض الدراسات تصنفهم ضمن الطيف الشيعي الواسع.
العوامل التاريخية لانتشار الشيعة
ساهمت عوامل تاريخية وسياسية عديدة في انتشار التشيع في الشرق الأوسط. من أبرزها:
-الدولة الصفوية في إيران التي نشرت المذهب الشيعي رسمياً.
-الهجرات التاريخية للقبائل والعائلات الشيعية.
-وجود المراقد الدينية والمراكز العلمية في العراق وإيران.
-الصراعات السياسية بين الإمبراطوريات الإسلامية عبر التاريخ.
-التأثير الثقافي والديني للمراجع والمؤسسات الدينية.
كما لعبت التجارة والطرق البحرية القديمة دوراً في انتقال المجتمعات الشيعية إلى مناطق الخليج العربي والهند وشرق أفريقيا.
التأثير السياسي والاجتماعي للشيعة في المنطقة
يمتلك الشيعة تأثيراً سياسياً متزايداً في عدد من دول الشرق الأوسط. سواء عبر الأحزاب السياسية أو المؤسسات الدينية أو الحركات الاجتماعية. ويبرز هذا التأثير بشكل واضح في العراق ولبنان وإيران واليمن.
كذلك، تملك المجتمعات الشيعية مؤسسات تعليمية ودينية وخيرية واسعة. ما يعزز حضورها الاجتماعي والثقافي. وفي المقابل شهدت بعض الدول توترات طائفية نتيجة الانقسامات السياسية أو التدخلات الإقليمية. مما جعل الملف المذهبي جزءاً من التوازنات الحساسة في المنطقة.
ورغم التحديات، تعيش في كثير من دول الشرق الأوسط نماذج من التعايش بين السنة والشيعة ضمن المجتمعات المحلية المختلطة. حيث تجمعهم الروابط الاجتماعية والثقافية والوطنية.
في النهاية يشكل الشيعة جزءاً أساسياً من التركيبة السكانية والدينية في الشرق الأوسط. وتتفاوت نسبتهم وتأثيرهم من دولة إلى أخرى بحسب العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية. ففي حين يشكلون أغلبية واضحة في إيران والعراق والبحرين. يمثلون أقليات أو مكونات مؤثرة في دول أخرى مثل لبنان والسعودية والكويت واليمن.
ويستمر الحضور الشيعي في لعب دور مهم في قضايا المنطقة السياسية والدينية والثقافية. خاصة مع ارتباط العديد من الملفات الإقليمية بالتوازنات المذهبية.
ومع ذلك، يبقى التنوع الديني والمذهبي جزءاً من الهوية التاريخية للشرق الأوسط. ما يجعل الحوار والتعايش بين مختلف المكونات ضرورة أساسية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المنطقة.
شاهد أيضًا
كيفية تجديد الهوية في لبنان اونلاين
نائب الحزب: هذه طعنة في ظهر الشيعة


