خاص " وردنا "
لم تكن الضجة الإعلامية والقضائية التي أثيرت مؤخراً حول رجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطون الصحناوي، على خلفية تواجده في مناسبة اجتماعية وسياسية بواشنطن ضمّت شخصيات أمريكية ودولية، سوى فصل جديد من فصول المراهقة السياسية والشعبوية المقيتة التي تُمارس في لبنان منذ عقود. إن اختزال حضور شخصية اقتصادية لبنانية بارزة في المحافل الدولية بدوائر "التهم الجاهزة" و"المحاكمات الميدانية" لا يسيء للصحناوي كفرد فحسب، بل يفضح العقلية الانعزالية والمنظومة التشريعية البائدة التي تبقي لبنان مكبّلاً خارج العصر.
الواقعية السياسية وديناميات واشنطن
أولاً، من الضروري تفكيك السياق الذي جرت فيه الواقعية المفترى عليها. أنطون الصحناوي لم يعقد معاهدة سرية، ولم يبع أسراراً عسكرية، ولم يبرم صفقات تضر بالمصلحة الوطنية العليا. كل ما في الأمر أنه تواجد في العاصمة القرار العالمي، واشنطن، بدعوة اجتماعية لتكريم شخصية سياسية أمريكية بارزة، وفي صالونات واشنطن ومأدباتها تلتقي عشرات الشخصيات الدولية من مختلف الأطياف.
إن تصوير حضور رجل أعمال لبناني يمتلك شبكة مصالح واستثمارات عابرة للقارات في حفل يضمه عشرات المدعوين وكأنه "جرم مشهود" يعكس جهلاً فاضحاً بآلية عمل اللوبيات وديناميات العلاقات الدولية. اللبنانيون الناجحون في المغترب والمهجر هم خط الدفاع الأخير عن اسم لبنان وموقعه الاقتصادي، ومطالبتهم بالانسحاب من أي قاعة لمجرد وجود خصم سياسي أو دولة عدوة يعني عملياً فرض عزلة ذاتية على كل طاقة لبنانية ناعمة تحاول التأثير والوجود في مراكز القرار.
قانون 1955: حفرية تشريعية في عصر العولمة
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: الاستناد إلى "قانون مقاطعة إسرائيل" الصادر عام 1955.
لقد كُتب هذا القانون في ظروف جيو-سياسية مختلفة تماماً، قبل سبعين عاماً، حين كان العالم مقسماً بأطر كلاسيكية، وحين لم تكن التكنولوجيا، والأسواق المفتوحة، والتكتلات الاقتصادية، والتداخل الرقمي قد ولدت بعد. إن الإبقاء على نص تشريعي صُمّم لمنتصف القرن العشرين وتطبيقه بصورة عمياء في عام 2026 هو ضرب من العبث الفكري والقانوني.
1. الاصطدام بحركة رأس المال والعولمة: كيف يمكن لدولة تسعى لجذب الاستثمارات وتتسوّل القروض الدولية أن تجرّم أبناءها ومستثمريها لمجرد تقاطع طرق شائك في المحافل الدولية؟ الشركات المالية والمؤسسات المصرفية اليوم تعمل ضمن منظومات امتثال عالمية ترعاها واشنطن وباريس ولندن، وفرض قيود شعبوية عليها يعزل القطاع المصرفي اللبناني بالكامل عن النظام المالي العالمي.
2. الانتقائية والتسيير السياساتي: أثبتت التجربة أن هذا القانون لم يعد يُستخدم لحماية أمن البلاد، بل أصلح أدواتٍ كيدية للمزايدات الداخلية وتصفية الحسابات السياسية والمالية. ففي حين يُغضّ الطرف عن تفاهمات واتفاقيات ترسيم وحقول نفط وغاز تُدار برعاية ودراية دولية، يُستلّ هذا القانون كالسيف على رأس رجل أعمال أو فنان أو أكاديمي لبناني تصادف وجوده في محفل دولي!
المصلحة الوطنية فوق الأيديولوجيا الصماء
إن المفهوم الحديث للسيادة الوطنية لا يُبنى على الشعارات الفضفاضة والقوانين الزاجرة التي تخنق المواطن، بل يُبنى على الاقتدار الاقتصادي، وقوة المؤسسات، وحماية رأس المال الوطني.
لقد تغيرت المنطقة برمتها، وأعادت دول عديدة إعادة تعريف مصالحها القومية بناءً على الواقعية والبراغماتية والتنمية المستدامة، بينما يصرّ البعض في لبنان على إبقاء البلاد رهينة لنصوص متحفية تعود إلى حقبة الستينيات والسبعينيات. إن تجريم التواصل أو الحضور في الفضاءات الدولية لم يمنع خطراً، ولم يسترد حقاً، ولم يبنِ اقتصاداً، بل ساهم فقط في تهجير العقول، وتخويف رؤوس الأموال، وتعميق الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الشعب اللبناني.
المطلوب: جرأة التشريع وإلغاء القانون البائد
إن الدفاع عن أنطون الصحناوي في هذه القضية ليس دفاعاً عن شخص بمفرده، بل هو دفاع عن مفهوم الدولة الحديثة التي تحمي مواطنيها واستثماراتها ووجودها العالمي. لقد حان الوقت للمجلس النيابي والقوى الحية في المجتمع اللبناني للتحلي بالجرأة السياسية والأخلاقية لإلغاء "قانون مقاطعة إسرائيل" لعام 1955، أو على الأقل إعادة صياغته وتحديثه بما يتوافق مع المعاهدات الدولية والواقعية الاقتصادية، وإسقاط أي مادة تُستخدم لكتم الأنفاس أو كسر القامات الاقتصادية والوطنية.
لبنان لن يتعافى باستيلاد أعداء من بين أبنائه الناجحين، ولا بخنق المبادرات الفردية في زوايا المحاكمات الشعبوية. التعافي يبدأ بالاعتراف بالواقع، وتحديث القوانين، واستبدال منطق التخوين والأوهام بمنطق المصالح العليا والمواطنة الحقيقية.


