كتب رئيس التحرير
في مدينةٍ لم تَعُد تنامُ إلّا على أنقاضِ بيوتِها، ولا تصحو إلّا لتلملمَ جراحَ أسواقِها التاريخية، يقفُ إمام النبطية الشيخ عبد الحسين صادق، كأنه العمودُ الأخير الذي يرفعُ سقفَ المدينةِ كي لا ينهارَ على مَن تبقّى فيها.
هنا، في "عاصمةِ جبل عامل"، حيثُ يعبرُ التاريخُ مثقلاً بتبعاتِ الجغرافيا والسياسة. يتجلى الإمام اليوم في أصعبِ أدوارِه: حارس الوجدان الذي يحاولُ حمايةَ اللحمِ الحيّ لناسِه بجرأةِ الموقفِ وعمقِ المسؤولية.
إذا سألتَ اليوم: "ما الذي يفعله الإمام حين تحاصرُ النيرانُ رعيتَه؟"، فإن الإجابةَ تجدُها في بياناتِ الشيخ الأخيرة. لم يختبئ خلفَ البلاغةِ التقليدية، بل واجهَ العاصفةَ بعباءةٍ من واقعيةٍ شجاعة. حينَ روّجتِ التقاريرُ الغربيةُ والمزاعمُ الإسرائيليةُ لروايةِ "الأنفاقِ والبنى العسكريةِ الضخمة" تحتَ أزقةِ النبطية، لم يصمتْ. خرجَ ليفنّدَ الادعاءاتِ بالمنطقِ والموضوعية، مدافعاً عن مدينتِه كحاضرةٍ تنبضُ بالحياةِ والتجارةِ والناس، لا كساحةِ حربٍ مستباحةٍ للدمارِ والتهجير.
يكمن سرُّ الشيخ عبد الحسين صادق اليوم، في هذه القدرةِ على التمييزِ الدقيقِ بين إرثِ المقاومةِ العامليّ الذي نشأ عليه، وبين النطقِ بلسانِ الناسِ الذين أنهكَهُم الركامُ ويتوقون للعودةِ إلى ديارِهم. إنه يمارسُ "دبلوماسيةَ العمامة" في ذروتِها. يرفضُ تبريرَ قتلِ المدينة، ويقطعُ الطريقَ على الذرائعِ التي تريدُ تحويلَ عاصمةِ الجنوبِ إلى مربعاتٍ مهجورة.
لكنَّ الذروةَ في هذا البورتريه السياسيّ، تجلتْ في شجاعتِه بالذهابِ نحو "خيارِ الدولة". في زمنٍ يتهيبُ فيه الكثيرون تسميةَ الأشياءِ بمسمياتِها، رفعَ الشيخُ الصوتَ عالياً مطالباً بدخولِ الجيشِ اللبنانيّ إلى النبطية ليتسلمَ زمامَ الأمنِ والأمور. رأى في بذلةِ الجيشِ السورَ الحقيقيَّ الذي يمكنُ أن يحميَ ما تبقّى من معالم، والمظلةَ الشرعيةَ التي تُسقطُ الذرائعَ الدوليةَ والإسرائيلية، وتُعيدُ السلمَ الأهليَّ لنبطيةٍ تُركتْ وحيدةً في عينِ العاصفة.
حين تتأملُ وجهَه في هذه اللحظةِ التاريخية، تراهُ يختصرُ مأساةَ الجنوبِ وحكمتَه. إنه رجلٌ لم تفرغْ طاولتُه من دواوينِ الشعر، ولم يفرغْ قلبُه من حبِّ الوطن، لكنه يعرفُ متى ينحي الشِعرَ جانباً ليقولَ كلمةَ الحقِّ التي تحمي البشرَ والحجر.
يبقى الشيخُ عبد الحسين صادق، في كتابِ التحولاتِ اللبنانيةِ الراهنة، ذاك الصوتَ الشجاعَ المتمسكَ بالشرعية، الذي يدركُ أنَّ هيبةَ الأمكنةِ لا تُصنعُ بالسلاحِ وحده، بل بالدولةِ التي تحمي الجميع، وبإمامٍ آثرَ أن يكونَ جداراً يستندُ إليه المتعبون في أشدِّ أوقاتِهم ظُلمة.


