تسمّر اللبنانيون أمس أمام الشاشات لمتابعة مباراة نهائيات كأس العالم 2026 في احتفالية رياضية تنسيهم همومهم اليومية، لكنهم سيعودون الى التسمّر أمام الشاشات لمتابعة اللقاء المنتظر بين الرئيسين اللبناني جوزيف عون والاميركي دونالد ترامب الذي وُصف بالمحطة التاريخية والمفصلية في مستقبل لبنان خصوصا لناحية تنفيذ "اتفاق الاطار" مع العلم انها الزيارة الاولى التي يقوم بها رئيس لبناني الى واشنطن منذ العام 2009، وتأتي في ظروف استثنائية تمر بها المنطقة ككل.
إذا، المباراة الرياضية حُسمت نتيجتها لكن المباراة السياسية الصعبة والبالغة الدقة لن تُحسم نتيجتها قريبا في ظل وجود فريقين يتباريان حول مفهومين ورؤيتين متباعدتين. الفريق الاول يريد انقاذ ما يمكن انقاذه من البلد بالطرق الديبلوماسية والتفاوض والاستفادة من الظروف المؤاتية ومن التقارب مع الادارة الاميركية التي يمكنها الضغط على اسرائيل لتنفيذ الرؤية اللبنانية. اما الفريق الثاني الذي يصر على ابقاء لبنان ملعبا مستباحا للصراعات الدولية والاقليمية، وربط مصيره ومصير اللبنانيين بكل قضية أو صراع أو اشتباك أو حرب، فيبقون في "مرمى التعاسة"، في حالة استنفار وتأهب دائم على خط الدفاع والهجوم الى أبد الآبدين.
مهمة الرئيس عون ليست سهلة، ودوره كحارس المرمى يتطلب منه الكثير من اللياقة الفكرية خصوصا ان اللاعبين المحليين كما اسرائيل يريدون افشال مهمته. فريق الممانعة في الداخل يعتبر اتفاق الاطار مهزلة وان الرئيس عون من خلال سياساته وتوجهه نحو الغرب، يأخذ البلد إلى الهاوية. فيما اسرائيل تحاول فرض شروطها بالنار، ولن تقبل بالانسحاب من المناطق المحتلة قبل ان تتأكد من خلوها من سلاح "حزب الله".
وبالتالي، اللقاء غدا مع اللاعب الاكبر على المستوى الدولي سيكون محط انظار العالم اذ يعوّل عليه بأن يأتي بثمار جيدة، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اذ قال ان اجتماع الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس اللبناني سيكون مثمرا بحيث سيسعى عون الى انتزاع التزام أميركي واضح بفرض انسحاب إسرائيلي وفق الرؤية اللبنانية وليس الاسرائيلية كما سيطرح العديد من المواضيع الهامة والحساسة من ملف دعم الجيش ليتمكن من بسط سلطة الدولة وحصر السرح،وفصل المسار اللبناني عن التطوُّرات الاقليمية، والعلاقة بين لبنان وسوريا، وإطلاق الأسرى، وآليات إعادة الإعمار، والعديد من الملفات والقضايا التي يمكن ان تضع لبنان على سكة التعافي، وتجنبه تجرع كأس الحرب مرة أخرى لأنه وشعبه يأملون برفع كأس النصر في استعادة الوطن.
هذه الآمال ربما تكون بعيدة المنال وفق الواقع القائم أو الستاتيكو الحالي اذ انه بحسب مدير التحالف الشرق أوسطي الأميركي توم حرب في حديث لموقع "وردنا"، فإن زيارة الرئيس عون الى أميركا مهمة بالشكل لكن المضمون يختلف. الرئيس عون اتصل مرات عدة بالبيت الابيض، وطلب لقاء ترامب الذي وافق على دعوة الرئيس عون.من المهم ان يجتمع الرئيس عون الذي يلتقي معظم الرؤساء، مع الرئيس الاميركي، ويظهر امام العالم ان لبنان مرحب به في البيت الابيض خاصة ان الوضع اللبناني الاسرائيلي يهم الرئيس ترامب الذي يريد تجريد حزب الله من سلاحه، ورفع الضغط عن اسرائيل، وازالة الخطر عنها وعن حدودها مع لبنان.
أما لناحية المضمون، فنحن معتادون في أميركا عندما يأتي أي رئيس دولة، يصطحب معه فريق عمل أي وزراء من حكومته أو أعضاء أو خبراء آخرين حسب الملفات التي ستطرح ان كانت تجارية أو مالية أو أمنية أو علاقات دولية. وبما ان زيارة الرئيس عون لها طابع أمني بعد توقيع اتفاق الاطار مع اسرائيل، فكان ينبغي أن يصطحب معه وزيري الخارجية والدفاع ليتناقشوا مع الخبراء الاميركيين الذين لديهم خبرة في العلاقات بين لبنان وأميركا، وبين لبنان واسرائيل. هذا، سيؤدي الى اضعاف هيبة الرئاسة اللبنانية امام ترامب وفي البيت الابيض. هذه مشكلة سيواجهها الرئيس عون مع العلم ان الرئيس ترامب لن يتحدث في العلن عن هذه النقطة لكن في الكواليس سيكون هناك عدم تكافؤ بين الفريقين الاميركي واللبناني.
وشدد حرب على أهمية اللقاء مع وزير الخارجية روبيو اذ ان الموقف كان واضحا لناحية تجريد حزب الله من سلاحه، وتفكيك هيكليته، والتنسيق مع اسرائيل في عملية سلام. وهذا سيكون مضمون الاجتماع الذي سيحصل في البيت الابيض غدا الثلاثاء. الرئيس ترامب سيمدح الرئيس عون بدون شك. في المقابل، الرئيس عون سيطلب مساعدات للجيش اللبناني، ولاعادة الاعمار، لكن الجانب الاميركي سيعتبر هذا الامر "شحادة" اذ سيكون هناك مقارنة مع زيارة رئيس الوزراء العراقي الذي أبرم اتفاقيات بمليارات الدولارات مع أميركا خصوصا في مجال النفط والزراعة. بينما لبنان يريد المساعدة من أميركا، لكن مقابل ماذا؟. مقابل ترك حزب الله على ما هو عليه اليوم، يتمرد على قرارات الدولة اللبنانية، ويسرح ويمرح كما يريد، ويطلق الصواريخ على اسرائيل، ويتسبب بحرب تلو الاخرى؟.
وتحدث عن اتفاق الاطار الذي ينص على ان الجماعات المسلحة وتحديدا حزب الله يشكل خطرا على لبنان كما على اسرائيل التي لن تنسحب قبل تفكيك الحزب. هذه البنود لم يكن لبنان في وارد القبول بها لكن أميركا ضغطت عليه، وأدخلت السعودية على الخط. وبالامس، أجرى الرئيس عون اتصالا بولي العهد السعودي لدعمه. على أي حال، انا مرتاح لناحية ان أميركا تقود الخطة بالنسبة للبنان والمنطقة،لكن ما يقلق ان الدولة اللبنانية لا تفي بوعودها، وقائد الجيش يضع لاءاته، ولا ينفذ ما يطلب منه، ويعمد الى المماطلة الى حين انتهاء عهد ترامب، وهذا أمر خطير، لكن الادارة الاميركية الى جانب اسرائيل تصران على الوصول الى أهدافهما في أقرب وقت. ونسعى لتشكيل قوات دولية تساهم في نزع سلاح الحزب في حال لم تطلب منه ايران تسليمه الى الدولة اللبنانية، والرئيس السوري لن يدخل الى لبنان الا في حال قرر المشاركة في القوات الدولية اذا تشكلت.
ورأى حرب انه لا يمكن اعتبار الزيارة تاريخية،ولبنان لم يحقق أي أمر حتى اليوم في مسيرته نحو بناء الدولة، كما لا يمكن الاحباط من نتائج الزيارة اذ سيٌفرض على لبنان ورقة عمل، وخريطة طريق عليه الالتزام بها. ويبقى الامل في أن يتحرر الشعب اللبناني ويعيش بسلام.


