في الشرق الأوسط، لا تجلس الدول على مقاعد ثابتة، بل تسكن فوق صفيح ساخن. وفي لبنان، ينبض التاريخ على وقع الأزمات المتلاحقة، حيث تصبح المؤسسات الأمنية خط الدفاع الأخير عن فكرة "الدولة" نفسها. اليوم، ويمرّ العام الحادي والثمانون على تأسيس المديرية العامة للأمن العام اللبناني، تبدو هذه المناسبة أكبر من مجرد محطة تقويمية أو احتفال بروتوكولي. إنها استعادة لقصة بقاء في قلب عاصفة إقليمية ومحلية لم تهدأ.
على مدى ثمانية عقود ونيف، كان الأمن العام عين لبنان الساهرة. لم يكن دوره محصورًا في ختم الجوازات عند الحدود، بل كان دائمًا مجسّدًا لمفهوم الأمن السياسي والاجتماعي والاستباقي. عبر عقود من الحروب والتحولات الشرق أوسطية، عاش هذا الجهاز على تماس مباشر مع كل أزمة تضرب المنطقة: من حركة أجهزة الاستخبارات العابرة للحدود، إلى ملفات اللاجئين والمعابر، وصولاً إلى مواجهة الشبكات الإرهابية وتفكيك خيوط الجاسوسية.
في السنوات الأخيرة، واجه لبنان امتحاناً هو الأشراط والأقسى في تاريخه الحديث. انهيار اقتصادي غير مسبوق، ومؤسسات تترنح، وضغوطات هائلة على البنية الاجتماعية والمجتمعية. في مثل هذه الأوقات، يتهاوى الهيكل إن لم تجد المؤسسات رجالاً يدركون أن الإدارة في زمن الأزمات ليست نزهة، بل هي إدارة للمخاطر وتثبيت للوجود.
وهنا يبرز دور اللواء حسن شقير في قيادة هذه المؤسسة وإدارتها في واحدة من أعقد المراحل. لم يأتِ الرجل إلى قيادة الأمن العام في زمن الرخاء، بل تسلّم المسؤولية في قلب الإعصار. والأمن في قراءة اللواء شقير ليس مجرد هراوة أو تقارير استخبارية صامتة، بل هو استقرار اجتماعي وتسهيل لشؤون المواطنين وقدرة على الصمود المؤسساتي رغم شح الإمكانات.
نجح اللواء شقير في إعادة ضبط الإيقاع داخل المديرية. أعاد التأكيد على صون المؤسسة من التجاذبات السياسية المعقدة التي تغرق فيها البلاد عادة. ركّز على تحسين الأداء الإداري والخدماتي في وقت كانت فيه معاملات المواطنين تشهد اختناقات كبيرة بسبب الأوضاع المالية والتنظيمية. أعاد للخدمة معناها، وأكد أن الأمن الواعي هو الذي يقف إلى جانب المواطن في أزمته اليومية، لا الذي يبتعد عنه.
على الصعيد الأمني والعسكري، واصل الأمن العام في عهد اللواء شقير أداء دوره المحوري كصمام أمان. ظلت العين الاستخبارية للجهاز يلمح بها الوطن كل تهديد قبل أن يستفحل، سواء أكان متأتياً من شبكات التعامل، أم من التهديدات الإرهابية، أم من ضبط الحدود الشاسعة التي طالما شكلت معبراً للتحولات الكبرى. أظهرت إدارة شقير حساً عالياً بالمسؤولية الوطنية في التعاطي مع ملف النازحين والملفات الحدودية المترابطة بالوضع الإقليمي والدولي.
إن المؤسسة الناجحة هي تلك التي تستطيع تحويل الأزمة إلى فرصة للتطوير. وفي العيد الحادي والثمانين، يثبت الأمن العام اللبناني، برعاية قيادته وإصرار ضباطه ورتبائه، أنه ليس مجرد جهاز تنفيذي، بل هو ركن أساسي في قيامة الدولة. حين تتراجع الإمكانات الاقتصادية للبلاد، يصبح الرهان الأكبر على العنصر البشري وعلى الإرادة الوطنية، وهما المادتان اللتان لم تخبوا يوماً لدى أبناء هذه المؤسسة.
الشرق الأوسط يتغير، والخرائط تعيد تشكيل نفسها، والأخطار تتلون بعناوين جديدة. لكن ثابتة واحدة تبقى في المعادلة اللبنانية: وجود أجهزة قادرة على الحفاظ على كيان الوطن واستقراره. إن الأمن العام في عيده الحادي والثمانين يبعث برسالة صامتة وقوية في آنٍ معاً، مفادها أن لبنان، رغم كل الجراح، يستحق أن يُحمى، وأن في مؤسساته أسراراً للصمود ورجالاً يتولون المهمة بحكمة وهدوء وإصرار.
تحية إلى الأمن العام اللبناني في عيده، وتحية إلى قيادته ممثلة باللواء حسن شقير، ولكل من يقف في الظل ليبقى لبنان على قيد الحياة والأمل.


