كيف يمكن لامرأة أن تعيش يومها بشكل طبيعي، من دون أن تفكر في الطريق قبل أن تسلكه؟ وكيف يمكن لفتاة أن تخرج من منزلها إلى الجامعة أو العمل، أو حتى للقاء صديقاتها، من دون أن تسأل نفسها: أي طريق أسلك؟ أين أجلس؟ هل أستقل الحافلة أم المترو؟ وهل من الأفضل أن أعود قبل أن يحلّ الظلام؟ أسئلة قد تبدو بسيطة وعادية بالنسبة إلى البعض، لكنها بالنسبة إلى كثير من النساء في مصر، وغيرها من المجتمعات العربية، أصبحت جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية. فالمواصلات بالنسبة إليهن ليست مجرد وسيلة للوصول إلى مكان ما، والطريق ليس مجرد مسافة تفصل بين نقطتين، بل مساحة تحمل معها احتمال الخوف من التحرش أو العنف.
وفي كل مرة يظهر فيها خبر عن تعرض فتاة للتحرش، سرعان ما تبدأ الجملة ذاتها بالتكرار: «يمكن ما كانت محتشمة، والله أعلم». وكأن ملابس المرأة تمنح الرجل إذناً بالاقتراب منها، أو تبرر له لمس جسدها أو توجيه الكلمات المهينة إليها، وكأن المشكلة تبدأ من طول فستانها أو شكل ملابسها، لا من الشخص الذي قرر أن يتجاوز حدودها وكرامتها. لكن منذ متى كانت الملابس تصريحاً بالتعدي على الآخرين؟ فالملابس حرية شخصية، أما غضّ البصر واحترام الجسد والخصوصية، فهي مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا تسقط بسبب لباس امرأة، ولا عمرها، ولا مكان وجودها.
ليست الملابس هي المشكلة
تروي فتيات ونساء مصريات قصصاً كثيرة عن تعرضهن للتحرش الجسدي واللفظي في أماكن مختلفة؛ في الحافلات، داخل المترو، في سيارات الأجرة، في الشوارع المزدحمة، وعلى كورنيش النيل، وفي الحفلات والتجمعات العامة. أماكن يفترض أن تكون عادية، يمر بها الإنسان في يومه من دون أن يفكر كثيراً، تحولت بالنسبة إلى كثير من الفتيات إلى أماكن تستدعي الحذر والانتباه الدائم. والمؤلم أن التحرش لا يتوقف عند نوع معين من الملابس؛ فكم من طفلة تعرضت للتحرش؟ وكم من امرأة كانت ترتدي ملابس محتشمة وتعرضت له أيضاً؟
المشكلة، إذاً، ليست في ما ترتديه المرأة، بل في عقلية ترى جسدها مساحة مباحة، وتتعامل معها وكأن وجودها في الشارع أو وسائل النقل أو الأماكن العامة يمنح الآخرين حقاً لا يملكونه. وحتى الأطفال لم يسلموا من هذه الاعتداءات، وفي بعض الوقائع امتد هذا السلوك إلى الحيوانات أيضاً، بما يكشف أن المسألة أبعد بكثير من «لباس» أو «إغراء» كما يحاول البعض تبريرها. إنها مشكلة سلوك وفكر وغياب للمحاسبة، قبل أن تكون أي شيء آخر، ومتى استمر المجتمع في البحث عن مبررات للمعتدي، سيبقى الضحية في دائرة الاتهام.
الطريق الذي يبدأ قبل الحافلة
بالنسبة إلى كثير من النساء، لا تبدأ رحلة المواصلات عند صعود الحافلة، بل قبل ذلك بكثير. تبدأ عندما تفكر الفتاة في الوقت الذي ستخرج فيه، وفي الطريق الذي ستسلكه، وفي وسيلة النقل التي ستختارها، وحتى في المقعد الذي ستجلس عليه. وقد تفكر مرتين قبل أن تستقل سيارة أجرة بمفردها، أو تختار مكاناً معيناً لأنها تشعر أنه أكثر أماناً، أو ترسل رسالة إلى شخص تثق به لتخبره أنها وصلت. تفاصيل قد تبدو صغيرة لمن لا يعيشها، لكنها بالنسبة إلى المرأة تتحول إلى حسابات يومية لا تنتهي، وكأن عليها أن تخطط لتحركاتها وفقاً لاحتمالات الخطر، لا وفقاً لما تريده هي.
طالبة جامعية تحاول الوصول إلى محاضرتها، وموظفة تنهي دوامها وتريد العودة إلى منزلها، وفتاة تخرج لشراء شيء بسيط من متجر قريب؛ جميعهن قد يجدن أنفسهن مضطرات إلى التفكير في سلامتهن قبل أن يفكرن في وجهتهن. وهنا يصبح السؤال الأهم: لماذا يُطلب من المرأة أن تتعلم كيف تتجنب الخطر، بدلاً من أن يتعلم المجتمع كيف يمنع الخطر عنها؟ ولماذا تتحول النصائح دائماً إلى «لا تخرجي وحدك»، «لا تعودي متأخرة»، «لا تجلسي هنا»، و«انتبهي من هذا الطريق»، فيما لا نسمع بالقدر نفسه عن ضرورة ردع المعتدي ومحاسبته؟
التحرش في وسائل النقل... خوف في مكان يفترض أن يكون آمناً
تبدو وسائل النقل العامة من أكثر الأماكن التي تثير قلق النساء، خصوصاً مع الازدحام الذي يجعل المسافة بين الأشخاص شبه معدومة، ويمنح المتحرش أحياناً فرصة للاختباء خلف الزحام. وتتحدث نساء عن تعرضهن للمس والاقتراب المتعمد، وعن مواقف أكثر بشاعة، بينها قيام بعض المتحرشين بتصرفات جنسية أمام الضحايا داخل وسائل النقل، مستغلين الازدحام وصعوبة المواجهة.
والأصعب أن بعض الفتيات قد يجدن أنفسهن في موقف لا يعرفن فيه كيف يتصرفن. هل تصرخ؟ هل تواجهه؟ هل تنزل من الحافلة؟ هل تخبر السائق؟ وماذا لو لم يصدقها أحد؟ هذه الأسئلة بحد ذاتها تكشف حجم المشكلة، فالضحية لا تواجه الاعتداء فقط، بل تضطر أحياناً إلى التفكير في كيفية التصرف، وكيفية إثبات ما حصل، وما إذا كان من حولها سيتدخلون لمساعدتها أو سيكتفون بالنظر.
وفي كثير من الأحيان، يصبح الصمت خياراً تفرضه الخشية من الفضيحة أو اللوم أو حتى من تصعيد الموقف، فتعود الفتاة إلى منزلها وهي تحمل معها تجربة قد لا يعرف أحد تفاصيلها، وربما لا تخبر بها أحداً أصلاً.
وحتى سيارات الأجرة ليست دائماً مساحة آمنة
ولا تتوقف معاناة النساء عند الحافلات والمترو، فسيارات الأجرة، التي يفترض أن تكون وسيلة أكثر خصوصية وأماناً، شهدت بدورها روايات عن تحرش لفظي وجسدي من بعض السائقين. وقد تصبح التجربة أكثر قسوة بالنسبة إلى النساء الأجنبيات أو السائحات اللواتي قد يجدن أنفسهن في بلد لا يعرفن لغته أو قوانينه جيداً، ما يجعل المواجهة أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تكون المرأة بمفردها داخل سيارة مع شخص غريب.
في بعض الحالات، لا يكتفي السائق بالكلمات أو النظرات، بل يتعمد تجاوز الحدود الجسدية، فيما تجد الراكبة نفسها في مساحة ضيقة لا تستطيع مغادرتها بسهولة. وهنا لا يعود الأمر مجرد «تصرف سيئ» أو «مزحة ثقيلة»، بل اعتداء واضح على مساحة الإنسان وأمانه، وعلى حقه في أن ينتقل من مكان إلى آخر من دون أن يتحول الطريق إلى تجربة خوف جديدة.
عندما يتحول التحرش إلى جماعة
أما التحرش الجماعي، فهو من أكثر أشكال الاعتداء قسوة، لأنه يحول الضحية إلى شخص محاصر وسط مجموعة من الأشخاص، ويضاعف شعورها بالعجز والخوف. وقد شهدت دول عربية عدة وقائع صادمة من هذا النوع، بينها حادثة فتاة في البصرة تعرضت لتحرش جماعي خلال احتفالات رأس السنة، وأوقف على خلفيتها 17 شخصاً.
لكن، وكما يحدث في كثير من الحالات، لم يختفِ السؤال المعتاد: ماذا كانت ترتدي؟ لماذا خرجت؟ ولماذا كانت هناك في ذلك الوقت؟ بل وصل اللوم، في بعض ردود الفعل، إلى أهل الفتاة أنفسهم. وكأن السؤال الطبيعي يجب ألا يكون: لماذا تحرش بها هؤلاء؟ بل: لماذا سمحتم لها بالخروج؟
وهنا تكمن المشكلة الأكبر. فعندما يتحول المجتمع من محاسبة المعتدي إلى محاسبة الضحية، فإنه لا يعالج التحرش، بل يمنحه مساحة جديدة للاستمرار. فالفتاة التي تتعرض للتحرش تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن ملابسها، ووقت خروجها، ومكان وجودها، وأحياناً حتى عن قرارها بالخروج من المنزل، فيما يغيب السؤال الأساسي عن الشخص الذي قرر أن يعتدي عليها.
هل خروج فتاة للاحتفال برأس السنة جريمة؟ هل ارتداء فستان يجعل جسدها مباحاً؟ وهل وجودها في شارع أو حفل أو وسيلة نقل يسقط حقها في الأمان؟ لا، لا شيء من ذلك يمكن أن يكون مبرراً للتحرش أو العنف.
متى يصبح الشارع للجميع؟
المرأة لا تطلب امتيازاً حين تريد أن تمشي في الشارع بأمان، ولا تطلب معاملة خاصة حين تستقل الحافلة أو المترو، ولا تطلب المستحيل حين تريد أن تعود إلى منزلها من دون أن تضطر إلى النظر خلفها كل دقيقة. هي تطلب شيئاً بسيطاً جداً: أن تعيش يومها كإنسانة، أن تذهب إلى جامعتها من دون أن تخشى يداً تمتد إليها، وأن تستقل سيارة أجرة من دون أن تخاف من السائق، وأن تمشي في الشارع من دون أن تسمع كلمات جارحة، وأن ترتدي ما تختاره من دون أن تشعر أن عليها تقديم تفسير لأحد.
قد يبدو هذا الكلام بديهياً، لكنه للأسف ليس كذلك بالنسبة إلى كثير من النساء. ولعل أكثر ما يجب أن يتغير ليس ملابس المرأة، ولا وقت خروجها، ولا الأماكن التي تزورها، بل الفكرة التي تقول إن عليها أن تغيّر حياتها حتى لا يتجرأ شخص آخر على إيذائها.
فالطريق ليس ملكاً للرجل وحده، والشارع ليس مساحة خاصة به، ووسائل النقل ليست أماكن يُطلب من النساء فيها أن يتحملن ما لا يجب أن يتحملنه. من حق المرأة أن تخرج من منزلها من دون أن تحمل معها همّ الطريق، ومن حقها أن يكون الوصول إلى وجهتها هو القلق الوحيد في الرحلة، لا السؤال الدائم: هل سأصل سالمة؟
ربما يبدأ التغيير عندما نتوقف عن سؤال المرأة: «ماذا كنتِ ترتدين؟»، ونبدأ بسؤال المعتدي: «لماذا فعلت ذلك؟». فالمشكلة لم تكن يوماً في فستان، ولا في حجاب، ولا في شارع، ولا في ساعة متأخرة. المشكلة في يدٍ لم يكن من حقها أن تمتد، وفي لسانٍ لم يكن من حقه أن يهين، وفي عقلٍ أقنع صاحبه بأن كرامة امرأة أخرى يمكن أن تكون ثمناً لرغبة عابرة.
وفي النهاية، لا يجب أن تكون حرية المرأة في التنقل والخروج مرتبطة بمدى قدرتها على تجنب الآخرين، ولا أن يصبح الخوف جزءاً ثابتاً من يومها. الطريق الذي تسلكه المرأة هو طريق عام، والشارع الذي تمشي فيه هو شارعها كما هو شارع غيرها، والأمان ليس مكافأة تحصل عليها عندما تلتزم بشروط المجتمع، بل حق طبيعي لا يحتاج إلى تبرير.
فمتى تستطيع النساء أن يعشن يومهن، من دون أن يحملن همّ الطريق؟


