كتب رئيس تحرير منصتيْ "وردنا" و"هواكم" إبراهيم ريحان:
يأتي إليك من صمت الجنوب الكثيف، ومن عمق الملفات المحترقة في "مديرية العمليات". لا يحب الضوضاء، ولا تستهويه الأضواء الكاشفة التي تُعمي الأبصار في صالونات بيروت السياسية. حين يجلس العماد رودولف هيكل في مكتبه في اليرزة، لا يرى أمامه خرائط عسكرية جامدة، بل يرى بلداً يتنفس تحت الأنقاض، وطناً يبحث عن خيط رفيع يصل ضفتي النهر ببعضهما. رجل المهارات الصامتة وخريج التحديات الصعبة. وُلدَ في بيروت لكنه عُجن بطين الأرض في قطاع جنوب الليطاني، حيث تعلّم كيف يقرأ النوايا خلف النظرات، وكيف يزن التوازنات بميزان الصيدلي الذي يخشى أن تطيح أي زيادة طفيفة بالتركيبة كلها.
حين عُيّن قائداً للجيش، لم يكن يسير نحو تشريف، بل كان يتقدم نحو حقل ألغام سياسي وإقليمي غير مسبوق. واليوم، والبلاد تحاول التقاط أنفاسها وسط "هدوء حذر" أفرزته كواليس الاتفاقات الأخيرة، يجد القائد العماد نفسه مدفوعاً إلى صدارة المشهد، لا رغبة في سلطة، بل لأن اليرزة باتت، للمرة الألف في تاريخ هذا الكيان المتعب، هي الملاذ الأخير لمنع الارتطام الكبير.
اليرزة والامتحان الصعب: ما بعد جلبة المدافع
الذين يعرفون رودولف هيكل عن قرب، يدركون أنه ليس من هواة الخطابات الرنانة. هو رجل المؤسسة الذي تدرج بين "المغاوير" و"مخابرات الجبل"، وحمل ندوب الميدان بامتياز. في الساعات الثماني والأربعين الماضية، ومع تدفق قوافل العائدين إلى قراهم في الجنوب والضاحية، كان القائد يتابع التفاصيل بدقة مقلقة. يعرف أن وقف الأعمال العسكرية ليس نهاية المطاف، بل هو بداية الامتحان الحقيقي للجيش اللبناني.
الجيش اليوم ليس مجرد قوة فصل أو حرس حدود. إنه الإسمنت المسلح الوحيد المتبقي لإعادة بناء فكرة "الدولة".
تقع في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار على عاتق العماد هيكل وجنوده مهمة صياغة السلم الأهلي فوق أرض تصدعت بفعل الصواريخ والنزوح. المطالب الدولية واضحة، والقرارات الدولية تنتظر التنفيذ، لكن القائد يدرك بذكائه العسكري والسياسي أن بسط السيادة لا ينجح بـ"كسر العظم"، بل بالالتفاف الوطني والوعي الهادئ لخصوصية النسيج اللبناني.
بسط السيادة في قاموس هيكل ليس استعراضاً للقوة، بل هو تجميع لشظايا الوطن تحت سقف القانون، وتأمين العودة الآمنة لمن تركوا بيوتهم تحت وطأة النار.
رجل التوازنات الصامتة
ما يميز العماد هيكل هو تلك "الشرعية المتعددة الأبعاد" التي يمتلكها. حظي بدعم داخلي واسع من قوى متناقضة، ونال ثقة إقليمية ودولية فرضتها سيرته النظيفة كمدير للعمليات وقائد لقطاع جنوب الليطاني، حيث نسّق بدبلوماسية بالغة مع قوات "اليونيفيل".
إنه يعرف كيف يتحدث مع الأميركيين والفرنسيين بلغة الاستراتيجيا والدفاع، وفي الوقت نفسه يعرف كيف يحمي ظهر الدولة ويصون الوحدة الوطنية من التفتت.
قبل أيام، عندما زار باكستان وبحث آفاق التعاون والتطورات الإقليمية، كان يتحرك كرجل دولة يدرك أن أمن لبنان جزء من رقعة شطرنج إقليمية معقدة تتداخل فيها خيوط واشنطن وطهران وتل أبيب. وفي الساعات الأخيرة، مع رصد الجيش للخروقات الإسرائيلية المستمرة على الحدود وإصراره على حماية العائدين، أثبتت قيادة الهيكل أن المؤسسة العسكرية لن تكون مجرد شاهد زور، بل هي الدرع المتأهب رغم شح الإمكانات والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تنهش رواتب العسكريين.
الجيش كخيار وحيد
في مقاهي بيروت، يسأل السياسيون: إلى أين ستقود الأيام هذا الجنرال الماروني الهادئ؟
العماد هيكل يرفض الغوص في هذه اللعبة. جوابه الدائم يكمن في بزة الجندي الذي سقط في الخردلي أو النبطية. بالنسبة إليه، الأولوية الآن هي تثبيت السلم، ومنع السلاح المتفلت من إفساد فرحة العودة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
لبنان ما بعد وقف إطلاق النار يمر بمرحلة انتقالية شديدة الخطورة. مرحلة تحتاج إلى قائد يمتلك عقلاً بارداً وقبضة حازمة، ورؤية لا تتأثر بالزواريب السياسية الضيقة. إنها لحظة الحقيقة لـ "رودولف هيكل"، وللمؤسسة العسكرية التي يقودها. فإما أن ينجح الجيش في فرض إيقاع الاستقرار وبسط سلطة الشرعية من بيروت إلى آخر نقطة في الجنوب، وإما أن تنزلق البلاد مجدداً نحو الفوضى. والجنرال، الذي اختبر عواصف الميدان، يعرف جيداً أن التاريخ لا يرحم المترددين، وأن اليرزة هي اليوم البوصلة الوحيدة المتبقية في بحر اللبنانيين المتلاطم.


