دولي

طهران تستعد لمواجهة قد تطول... وتراهن على تسوية دائمة


طهران تستعد لمواجهة قد تطول... وتراهن على تسوية دائمة

بعد عدة أشهر من توليه منصب المرشد الأعلى، بدأ مجتبى خامنئي في ترك بصمته الخاصة على المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية. فمن خلال سلسلة واسعة من التعيينات، أعاد عملياً تشكيل القيادة العليا لإيران، وأعاد تنظيم المؤسسات المسؤولة عن إدارة الحرب والدبلوماسية.

وقد فرضت الخسائر الاستثنائية التي تعرضت لها القيادات العسكرية الإيرانية خلال جولات الحرب المتعاقبة منذ يونيو (حزيران) 2025، إلى حد كبير هذه التعيينات، لكنها كشفت أيضاً عن الكيفية التي تعمل بها طهران على إعادة بناء مؤسستها الأمنية استناداً إلى دروس هذه الصراعات، واستعدادها لمواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

إذ أشار هيكل القيادة الناشئ إلى تحول أوسع في الطريقة التي تنوي بها طهران إدارة المرحلة المقبلة من الصراع: قيادة عسكرية أكثر مركزية، وتركيز أكبر على العمليات الهجومية، وفرض تكاليف أشد على الخصوم لتعزيز الردع، وتكامل أوثق بين السياسات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والأمن الداخلي، وفق تحليل مطول لمجلة "فورين بوليسي".

استمرار التفاوض

مع ذلك، لا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن المفاوضات، بل توحي هذه التعيينات العسكرية والسياسية الأخيرة بأن طهران تسعى إلى الجمع بين الدبلوماسية ومفهوم أكثر صرامة للردع، يركز على الحفاظ على قدرتها على إلحاق الضرر بخصومها وتعزيزها، بحيث تؤدي المفاوضات إلى تسوية دائمة بدلاً من أن تكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.

وقد بدا أوضح تجسيد لهذا النهج في اختيار خامنئي محسن رضائي لرئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو المؤسسة المكلفة بتنسيق السياسات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية لإيران. وغالباً ما يُوصف رضائي بأنه من رموز التيار المتشدد أو قائد سابق في الحرس الثوري الإيراني، إلا أن هذا الوصف لا يعكس كامل أهميته.

فقد تميز رضائي على مدى سنوات طويلة بكونه مفكراً استراتيجياً وبانياً للمؤسسات داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية. وخلال قيادته للحرس الثوري لمدة 16 عاماً، ساهم في تحويله إلى مؤسسة عسكرية واسعة النطاق، عبر تطوير القوات البرية والجوية والبحرية، وفيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية، ومقر خاتم الأنبياء المركزي المسؤول عن تنسيق العمليات العسكرية الكبرى.

وبالتالي فإن دوره لم يقتصر على المساهمة في إدارة الحرب الإيرانية العراقية، بل شمل أيضاً بناء المؤسسات والقدرات التي حددت كيفية استخدام إيران لقوتها العسكرية لعقود لاحقة.

رسالة خلال الحرب العراقية الإيرانية

غير أن سجلّه في زمن الحرب يكشف أيضاً عن جانب أكثر تشدداً في رؤيته الاستراتيجية، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد متى تكون إيران قد حققت ما يكفي من المكاسب لإنهاء الحرب بشروط مقبولة.

فعندما تدهور الوضع العسكري الإيراني عام 1988، كان رضائي من أكثر المسؤولين الكبار تردداً في إنهاء الحرب. ففي رسالة بعث بها إلى المجلس الأعلى للدفاع، اعتبر أن إيران تستطيع استعادة زمام المبادرة من خلال حشد عسكري كبير وخطة حرب تمتد لخمس سنوات.

لكن علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي كان آنذاك رئيساً للبرلمان وممثلاً للإمام الخميني في المجلس الأعلى للدفاع، إلى جانب قادة سياسيين كبار آخرين، رأوا أن تقييم رضائي يبرز حجم الموارد الهائل المطلوب لمواصلة القتال في وقت كانت فيه القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية تتعرض لضغوط متزايدة.

ولاحقاً قال رضائي إن رسالته استُخدمت للمساعدة في إقناع الخميني بقبول قرار مجلس الأمن رقم 598، رغم أنه كان يقصد بها تقديم خطة لمواصلة الحرب لا لإنهائها.

عتبة أعلى للتسوية

هذه الخلفية التاريخية تجعل من ترقيته الحالية أمراً لافتاً، في وقت تعيد فيه إيران التفكير في الشروط التي يمكن أن تنهي بموجبها حرباً مكلفة. وقد يكون من التبسيط المفرط القول إن رضائي سيعارض المفاوضات اليوم، لكن سجله يشير إلى عتبة أعلى للتسوية وإلى قناعة راسخة لديه بأن إيران يجب ألا تنهي أي صراع قبل أن تمتلك القدر الكافي من القوة العسكرية وأوراق النفوذ للتأثير في التسوية اللاحقة.

زيادة مركزية القيادة

إلى ذلك، عززت بقية تعيينات خامنئي هذه الصورة أيضاً. فقد كُلّف علي عبد اللهي، رئيس هيئة الأركان العامة الجديد، باستكمال دمج مقر خاتم الأنبياء المركزي ضمن هيئة الأركان العامة، وهي خطوة من شأنها زيادة مركزية القيادة والتنسيق في زمن الحرب.

كما قد يعني تكليفه الاستعداد لمواجهة "التهديدات التقليدية والحديثة والإدراكية والهجينة".

أما أحمد وحيدي فقد ثُبت رسمياً قائداً للحرس الثوري ورُقي إلى رتبة لواء، بعد توليه المنصب عقب اغتيال محمد باكبور. وقد وجّه إليه خامنئي تعليمات بالسعي إلى تحقيق "أقصى درجات الردع"، مع الحفاظ على الجاهزية لتنفيذ "عمليات هجومية قوية ضد العدو". واعتبر معلقون إيرانيون هذه العبارة تأكيداً غير معتاد على الطابع الهجومي للمهام الموكلة إلى قائد الحرس الثوري.

هيكل أكثر تماسكاً

في حين أشارت هذه الخطوات مجتمعة إلى محاولة دمج القيادة الإيرانية في زمن الحرب ضمن هيكل أكثر تماسكاً، مع تبني نموذج أكثر تشدداً للردع، يقوم على الرد على أي هجوم بتصعيد مضاد أكبر، لإقناع الخصوم بأن كل جولة جديدة من الصراع ستجعلهم في وضع أسوأ.

كما كشفت التعيينات اتساع نطاق هذا النهج الحربي. فعلي أزمائي، الذي خلف علي رضا تنكسيري في قيادة القوة البحرية للحرس الثوري، تولى مهامه في وقت أصبحت فيه السيطرة على مضيق هرمز أهم ورقة ضغط تملكها إيران تجاه واشنطن والاقتصاد العالمي.

أما على الصعيد الداخلي، فقد أعاد خامنئي حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس الثوري والمثير للجدل بسبب ارتباطه بقمع المعارضة، إلى الواجهة من خلال تعيينه رئيساً لقوات الباسيج. وكُلّف طائب بتعزيز "شبكة الاستخبارات الشعبية"، والاستفادة من التقنيات الجديدة، وتوسيع التنظيم على مستوى الأحياء.

هذا ويتمثل الخيط المشترك بين هذه التعيينات في رؤية تعتبر أن الصراع يتجاوز ساحة المعركة. فالتأثير البحري، والرقابة الداخلية، والتعبئة الشعبية، والمرونة الاقتصادية، والقوة العسكرية ينظر إليها بشكل متزايد باعتبارها عناصر مترابطة في قدرة إيران على الصمود وردع أي محاولة جديدة لإخضاعها بالقوة العسكرية.

"الصبر الاستراتيجي"

كما يعكس هذا النهج مراجعة أعمق داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية لأسباب فشل الردع قبل الحرب. فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، انتهجت طهران إلى حد كبير سياسة عرفت باسم "الصبر الاستراتيجي"، حيث كانت تعاير ردودها على العقوبات والاغتيالات وأعمال التخريب والهجمات الإسرائيلية، مع الحرص على تجنب حرب أوسع والحفاظ على مساحة للدبلوماسية.

غير أن الرأي السائد حالياً في طهران يرى أن هذا النهج أتى بنتائج عكسية، إذ عزز الانطباع في واشنطن وإسرائيل بأن إيران ضعيفة وسهلة الاستهداف، وأن ردودها يمكن التنبؤ بها، وأن كلفة مهاجمتها يمكن تحملها.

ومن ثم فإن الدرس المستخلص من الحروب منذ يونيو/حزيران 2025 لا يتمثل فقط في ضرورة امتلاك قدرات عسكرية أكبر، بل أيضاً في إظهار الاستعداد لاستخدام هذه القدرات بطريقة تفرض أثماناً عسكرية واقتصادية باهظة بما يكفي لردع الخصوم عن التصعيد مجدداً.

كما أصبح الأمن الاقتصادي جزءاً أساسياً من هذه المعادلة. فبدلاً من القبول بالعزلة الدائمة تحت شعار "اقتصاد المقاومة"، بات بعض المؤثرين الإيرانيين يرون أن الحرب يجب أن تنتهي بشروط تؤمن لإيران مستقبلاً اقتصادياً قابلاً للحياة.

وقد شدد رضائي، الحاصل على دكتوراه في الاقتصاد والذي شغل منصب نائب الرئيس الإيراني للشؤون الاقتصادية في عهد إبراهيم رئيسي، على أن الاستقرار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي وسبل المعيشة تُعد جميعها عناصر من عناصر الأمن القومي.

وتفسر هذه الرؤية أيضاً الأهمية التي توليها إيران حالياً للاحتفاظ بالسيطرة على مضيق هرمز، باعتباره ورقة نفوذ تملكها بنفسها تجعل أي ضغوط اقتصادية مستقبلية أكثر كلفة على خصومها، وتربط أمنها وازدهارها بشكل أوثق بأمن وازدهار الخليج والاقتصاد العالمي.

لذا تحاول طهران الآن تحويل هذه الأوراق التي اكتسبتها خلال الحرب إلى نظام أكثر استدامة يراعي النفوذ والمصالح الإيرانية بشكل أكبر.

ولهذا السبب لا يعني تشدد الموقف الإيراني بالضرورة استبعاد اتفاق جديد مع واشنطن. فقد وصف الرئيس مسعود بزشكيان المرحلة الحالية بأنها "أفضل وقت" للتوصل إلى اتفاق، ولا يزال يشير إلى المذكرة السابقة كأساس للتسوية.

التفاوض من موقع قوة

لكن رضائي يبدو أنه يتبنى موقفاً أكثر صرامة. ففي أول اجتماع له بصفته أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي مع السفير الصيني في طهران قبل أيام، قال إن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً إلى أن تنهي واشنطن الحرب، وتفرج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتلبي شروطاً أخرى نقلت إليها عبر وسطاء.

كما طالب بإنهاء الحروب ليس فقط في لبنان، بل في غزة أيضاً، وهو ما يتجاوز ما ورد في المذكرة السابقة.

في المحصلة، تشير تعيينات مجتبى خامنئي إلى أنه يعمل على ترسيخ استراتيجية أشمل تقوم على التفاوض من موقع قوة، مع تعزيز قدرة الدولة على تحمل صراع طويل الأمد ورفع كلفة المواجهة على الخصوم إذا فشلت المفاوضات.

والهدف النهائي، وفق هذا التصور، هو إقناع خصوم إيران بأن التوصل إلى تسوية دائمة مع طهران سيكون أقل كلفة من مواصلة الحرب أو محاولة فرض نتائجهم المفضلة بالقوة العسكرية.

يقرأون الآن