تكنولوجيا

قدرات خطرة ظهرت بالفعل… هل خرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة؟


قدرات خطرة ظهرت بالفعل… هل خرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة؟

لم يعد الخطر المرتبط بالذكاء الاصطناعي محصوراً بما قد تفعله النماذج في المستقبل. هذه هي الفكرة التي ينطلق منها توماس فريدمان في مقال رأي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، محذراً من أن السباق العالمي على هذه التكنولوجيا وصل إلى مرحلة بات من الصعب التراجع عنها.


فبحسب فريدمان، هناك أنظمة قوية موجودة بالفعل، وانتشرت إلى درجة لم يعد مطوروها يملكون السيطرة الكاملة عليها. لذلك، فإن التركيز على وضع قواعد للنماذج المستقبلية وحدها لم يعد كافياً.


وفي مقاله المعنون "لقد فات الأوان فعلاً لوقف تهديد الذكاء الاصطناعي"، يحاول فريدمان تفسير هذا المأزق من خلال تحليل كريغ موندي، الرئيس السابق للأبحاث والاستراتيجية في "مايكروسوفت"، الذي يقترح مقاربة تقوم على أربعة أركان.


واشنطن وبكين أمام سباق بلا فرامل

المفارقة الأساسية، وفق فريدمان، تظهر في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين.


فالشركات تدعو إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تربط أي خطوة من هذا النوع بما ستفعله الصين. وهكذا تصبح المنافسة على التفوق التكنولوجي سبباً إضافياً لاستمرار السباق.


ويشير الكاتب أيضاً إلى تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال فيه إن "الضوابط الوقائية" اللازمة للسيطرة على الذكاء الاصطناعي تتمثل في وجود "رئيس قوي وذكي".


ويرى فريدمان في ذلك انعكاساً لمشهد سياسي مضطرب، حيث يجري أحياناً التعامل مع مسألة شديدة التعقيد من خلال فكرة القيادة الفردية، بدلاً من الاعتماد على أنظمة تنظيمية وحواجز أمان متينة.


لكن المشكلة، في نظره، أصبحت أكبر من طريقة إدارة النماذج المقبلة.


عندما تبدأ الآلة باتخاذ القرار

أول أركان الخطر هو التحول الذي طرأ على طبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه.


فريدمان يصفه، استناداً إلى تحليل موندي، بأنه تكنولوجيا "رباعية الاستخدام". والمقصود هنا أن المسألة لم تعد مجرد أداة يستخدمها الإنسان لأغراض مختلفة، بل أن النظام نفسه يمكن أن يصبح قادراً على اتخاذ قرارات وتنفيذ أفعال بشكل مستقل.


ويشير المقال إلى عمليات اختراق موثقة نُسبت مؤخراً إلى وكلاء ذكاء اصطناعي، بينها اختراق مجموعة من وكلاء "أوبن إيه آي" منصة "هاغينغ فيس" بمحض إرادتها.


كما يذكر استخدام الحوثيين في اليمن، الذين يصفهم بأنهم مدعومون من إيران، نماذج متقدمة لاستهداف قطع بحرية وتطوير صواريخ.


وبالنسبة إلى فريدمان، تكشف هذه الأمثلة أن الحديث لم يعد عن خطر افتراضي قد يظهر يوماً ما، بل عن قدرات بدأت تظهر في الاستخدام الفعلي.


المشكلة أن النماذج انتشرت بالفعل

أما الركن الثاني فيختصره موندي بعبارة واضحة: "لقد فات الأوان".


فالنماذج ذات الأوزان المفتوحة أصبحت منتشرة بالفعل، بينما لا يمكن استبعاد وصول نماذج تملكها شركات تجارية إلى دول غير منضبطة أو جهات مارقة.


ويستند فريدمان إلى تقرير لشركة "أنثروبيك" يتناول محاولات مرتبطة بأبحاث الأسلحة البيولوجية، إضافة إلى استخدام نموذج "كلود" لجمع معلومات عسكرية والعمل على أنظمة توجيه للصواريخ.


وهنا تتغير طبيعة النقاش: بعض القدرات التي يُنظر إليها باعتبارها خطرة لم تعد مجرد احتمالات مستقبلية يمكن منعها قبل ظهورها.


بدلاً من إيقاف السباق... حماية العالم من آثاره

من هذه النقطة يصل فريدمان إلى اقتراحه الثالث.


فبدلاً من جعل إبطاء المنافسة الأميركية - الصينية الهدف الأول، يرى أن الأولوية يجب أن تكون بناء دفاعات مشتركة بين البلدين لمواجهة الهجمات السيبرانية والتهديدات البيولوجية، إلى جانب حماية البنى التحتية الحيوية.


بمعنى آخر، التركيز يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن الحد من الأضرار التي أصبحت هذه التكنولوجيا قادرة على إحداثها بالفعل؟


الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة

أما الفكرة الرابعة فتتعلق بكيفية النظر إلى الذكاء الاصطناعي نفسه.


فريدمان يتبنى تشبيه موندي له باعتباره "نوعاً جديداً" من الكيانات، وليس مجرد تقنية جديدة.


ومن هذا المنطلق، تصبح القضية أكبر من تنظيم منتج تكنولوجي. إنها تتعلق بكيفية تعامل المجتمعات البشرية مع أنظمة تملك قدرات متزايدة على اتخاذ القرارات.


ويستحضر المقال هنا أمثلة من التعاون الأميركي ـ السوفياتي في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك مراحل الحد من التسلح النووي، باعتبارها سوابق لتعاون بين خصمين لمواجهة أخطار مشتركة.


3 خطوات يقترحها موندي

ولتحديد ما يمكن فعله، ينقل فريدمان عن موندي ثلاثة مسارات مترابطة:


تحسين السيطرة على الأنظمة المتقدمة التي يجري تطويرها.


إنشاء نظام عالمي للسيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي المتزايدة القوة، بغض النظر عن الجهة التي طورتها.


إطلاق مشروع أميركي - صيني مشترك لبناء منصة جديدة تسرّع وصول المنافع العالمية في علوم الأحياء والطب إلى الجميع.


هل يصبح التعاون ضرورة رغم المنافسة؟

في النهاية، تتمحور رسالة فريدمان حول فكرة واحدة: المنافسة بين واشنطن وبكين لا تلغي التعاون، بل قد تجعل الحاجة إليه أكبر.


فالذكاء الاصطناعي، في قراءته، لم يعد مجرد ميدان آخر للتفوق التكنولوجي، بعدما أصبحت قدراته مرتبطة بمخاطر تتجاوز حدود المنافسة التقليدية.


ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة والصين ستضطران في نهاية المطاف إلى إعادة تعريف قواعد المنافسة بينهما، إذا أرادتا تجنب تحول هذه التكنولوجيا إلى مصدر واسع لعدم الاستقرار.


ويضع فريدمان لقاء ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في 24 أيلول/سبتمبر الجاري ضمن هذا السياق، باعتباره فرصة محتملة لبدء هذا المسار.

يقرأون الآن