لبنان آخر تحديث في 
آخر تحديث في 

خاص - بعد خمسين سنة على رحيله... فؤاد شهاب الحاضر الأكبر في زمن الشغور

منذ ٢٥ نيسان/أبريل الماضي، يستذكر اللبنانيون عبر وسائل التواصل الإجتماعي، الرئيس فؤاد شهاب بعد مرور خمسين سنة على رحيله، سنة ١٩٧٣ عن عمر يناهز الـ 71 عاما إثر نوبة قلبية.

خاص - بعد خمسين سنة على رحيله... فؤاد شهاب الحاضر الأكبر في زمن الشغور

في الذكرى، تسابق كثيرون، من سياسيين ومسؤولين في التعبير عن أسفهم لمرور ٧ أشهر، على الشغور في الرئاسة الأولى، المترافق مع إنهيار المؤسسات التي بناها صاحب الذكرى، الواحدة تلو الأخرى في حين أن التلهي بالمناكفات الكيدية والشعبوية، والتخلي عن المسؤولية، عنوان المرحلة الصعبة. لكن، لو كتب للرئيس شهاب أن يعيش إلى اليوم، ماذا كان ليفعل حين يرى أن البلد الذي حاول تشييده، مدماكا فوق آخر، وفق المبادىء الدستورية والقانونية، والمعايير المؤسساتية، أصبح في آخر طبقات جهنم، ومهدد بين يوم وآخر بالتفتت والتحلل والإنهيار التام؟.

سؤال طرحه موقع "وردنا" على الوزير الأسبق إدمون رزق الذي عرف الرئيس شهاب عن قرب، والتقى به أكثر من مرة، واطّلع على الأبعاد الحضارية والوطنية لنظرته إلى الحكم. وقال:"لو كان الرئيس شهاب على قيد الحياة، لكان أجرى عملية إنقاذية شاملة للوطن وأهله ومؤسساته. لو وُجد هو أو غيره من المؤهلين، لكانوا أدّوا الرسالة بجدارة. المطلوب، أسلوب معين في التعاطي مع المسؤولية، وهذا مفقود اليوم لعدم جدارة الذين يتولّون الحكم من أعلى الهرم إلى أسفله. كان الرئيس شهاب يتمتع بمواصفات رجل الدولة المخلص. الشهابية مدرسة الواقعية السياسية، والحداثة في الإدارة. تميز في آدائه الشخصي، وبكبره وليس بكبريائه، في لياقته في العمل، وحسن التصرف. هو مبدأي في السلطة، بعيدا عن المحسوبية والزبائنية، وينطلق من الحس السليم.

الرئيس والطائف

وفي وقت، يرى العديد من السياسيين والخبراء الدستوريين والقانونيين، أن عدداً من الصلاحيات انتُزعت من رئيس الجمهورية بعد اتفاق الطائف الذي شكّل صيغة حكم جديدة بين اللبنانيين، وانتقل النظام الذي كان الدستور فيه قد خصّ رئيس الجمهورية بصلاحيات مميزة، الى ما يمكن تسميته بنظام توافقي طائفي، حيث أنيطت السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء مجتمعا.

يرى آخرون، ومنهم النائب السابق بطرس حرب، أن المهم ليس الصلاحيات انما الممارسة، ، ويقول لـ"وردنا" إن الظروف اليوم تختلف كليا عن أيام الرئيس شهاب كما أن العقول تختلف، وإذا كان الرئيس شهاب يتمتّع بالأخلاقية والثقافة السياسية المطلوبة، إلا أنه "لو وصل اليوم الى سدة الرئاسة شخص بهذه المواصفات، وبأهم منها في ظل الدويلة ضمن الدولة، وانتشار السلاح غير الشرعي، لن يحلّ المعضلة اللبنانية". وبرأي حرب أن الحلّ يكمن في تغيير عقول القيادات السياسية، و"تفكيك الملّيشيات المسلحة، وحصر السلاح بيد الدولة"، حينها، شخص يتمتع بمواصفات الرئيس شهاب، يمكن أن يفعل شيئا أما اذا استمرّت الأمور على ما هي عليه، "فمن سابع المستحيلات القيام بأي إصلاح ". 

إذا، رئيس الجمهورية دستوريا كان يتمتع بصلاحيات أوسع قبل اتفاق الطائف، لكن عمليا كان يمارس الصلاحيات كما هي اليوم. وبالتالي، "الأمور لا تتعلق بالصلاحيات بقدر ما تتعلق بعقلية الحكام الذين يقسّمون البلد إلى دويلات صغيرة، ما يمنع قيام الدولة الكبيرة أو لبنان الكبير"، بحسب حرب الذي يتلاقى مع رأي رزق الذي شارك في اتفاق الطائف، ويرى أن وثيقة الطائف عدّلت أصول تسيير السلطة الاجرائية، فنقلت بعض الصلاحيات من رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا، من الشخص الى المؤسسة مكتملة. وبالتالي، "لم تأخذ من شخص لتعطي آخر. ألغت الوثيقة صلاحيات غير قابلة للممارسة، ولم يسبق أن مارسها أي رئيس في لبنان، منذ الاستقلال حتى الطائف، لأنها تدخل في دساتير الأنظمة الرئاسية لا البرلمانية". كما يقول رزق. 

وفيما يستشعر الجميع، الخطر على مستقبل البلد الضبابي، يواصل المسؤولون صراعهم على إسم الشخصية التي ستفتح بوابة قصر بعبدا، ما يدعو إلى التوقف عند محطة هامة في تاريخ لبنان، وفي حياة الرئيس شهاب، أي في 22 أيلول 1964، حين ترك منصبه في رئاسة الجمهورية، وانطوى على نفسه بعدما رأى أن هناك خطرا يحدق بالبلاد، ويسير به نحو الإنهيار والتفكك. وعندما طلب من شهاب الذي قيل عنه إن المناصب تسعى إليه وليس هو من يسعى إليها، الإستمرار في الحكم، اعتذر، ثم طلب منه العودة إليه فيما بعد، اعتذر أيضا، لأنه اعتبر إنه لا يجوز الإستمرار بتركيبة النظام كما هي بل تتطلب إصلاحا. ويرى كثيرون اليوم إنه منذ تلك المرحلة، بدأت بشائر التفكك والتحلل، تطلّ برأسها من بعيد، وهي اليوم تتجسد بأسوأ حلة، وهذا مردّه بحسب رزق " الى وجود مسؤولين غير مؤهلين. الحاكم الديمقراطي الرؤيوي هو الذي يتولّى المسؤولية بأمانة وجدارة. وكل من يستوعب خطورة المرحلة، وفشل المسؤولين، يعيش في معاناة. هناك تقصير كبير وفشل أكبر. وفي غياب المحاسبة والمراقبة، يغيب الآداء السليم الذي يستند الى العقلانية".

رئيس لديه المعرفة والإرادة

وفي ظل الأزمة الرئاسية، وبعد مرور خمسين عاما على رحيل الرجل الذي ترك بصمة في بناء دولة المؤسسات والقانون وتحقيق العدالة الإجتماعية والنمو والتطور ، بدا هو الحاضر الأكبر، ومالئ الشغور بمزاياه وصفاته التي تحدث عنها اللبنانيون على مواقع التواصل الإجتماعي، متمنين أن يكون رئيس جمهوريتهم المقبل على مثال الرئيس شهاب أي أن يكون رجل دولة، يسعى إلى تطبيق الدستور، واللجوء إلى الكتاب عند أي خلاف، ويحب بلده، ويعمل للمصلحة الوطنية أولا وأخيرا، وأن يكون إصلاحيا، ويعيد بناء ما تهدم، ويحمي سيادة لبنان ووحدته. وهنا لا بد من التساؤل: هل نحن في حاجة إلى رئيس من طينة الرئيس شهاب لانتشال البلد من قعر جهنم؟ وما هي الأولويات الرئاسية؟.

يجيب رزق: "نحن في حاجة إلى شخص جدير في حمل المسؤولية . نموذج الرئيس شهاب كان إستثنائيا، لكن ليس بالضرورة أن يكون الرئيس المقبل صورة طبق الأصل عنه لأن المهم أن يكون رجلا مؤهّلا. الرئيس شهاب رغم جدارته وترفّعه وسلوكه المبدئي، ليس صيغة فريدة من نوعها. اليوم نريد شخصا يعرف، ويريد لأن من يعرف ولا يريد لا ينفع، ومن يريد ولا يعرف لا ينفع. المعرفة والإرادة، أساس، كما النزاهة والآدمية والأخلاق الرفيعة، التي تحرر السلطة من مفهوم الوجاهة والزبائنية والمحاصصة. الرئيس شهاب، شكّل صمام أمان، في المرحلة التي تولّى فيها سدة الرئاسة، ومن المفترض أن ينتج النظام دائما، مسؤولين مؤهلين لحمل الأمانة. أمام الرئيس المقبل أولويات كثيرة، لكن تفعيل دور المؤسسات، يبقى الممر الأساس للإصلاح".

وأي رئيس جمهورية يجب أن يتمتع بالمنطق، والثقاقة والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة، لكن إذا لم يكن لديه فريق عمل جيد وصالح، يعمل لمصلحة البلد وليس لصالحه، لا يستطيع تحقيق أي إنجاز. فهو بحاجة الى خبراء وإختصاصيين ومساعدين ومستشارين، ليقدّموا له الخيارات المطلوبة كي يختار الأفضل من بينها. ويبقى الأهم، أن "يكون هناك إنسجام بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وبدون ذلك، لا يمكن القيام بشيء لأن رئيس الحكومة يمكن أن يعطّل عمل رئيس الجمهورية الذي يرأس مجلس الوزراء. الانسجام ضروري بين الرجلين" بحسب حرب.

 وفي سياق الحديث عن سيادة لبنان ووحدة أراضيه، التي يطالب بها الجميع فيما وضع البلد يدلّ على أنه ليس حرّا وليس مستقلّا وليس سياديّا، إضافة الى التهويل بالتقسيم والفدرالية، وسط كل هذا، تتوارد إلى الأذهان واقعة لقاء الرئيس شهاب مع الرئيس جمال عبد الناصر في خيمة نصفها في الأراضي اللبنانية والنصف الآخر في الأراضي السورية، وذلك احتراماً وتقديراً للسيادة الوطنية لكلا البلدين. وجلس عبد الناصر في الجانب السوري، وشهاب في الجانب اللبناني، واتفقا على استراتيجية شاملة، سياسياً وأمنياً وإعلامياً، تتضمن إحترام سيادة لبنان من جانب القطب العربي الأبرز مقابل تفاهم على ألا تتعارض السياسة الخارجية اللبنانية مع السياسة العربية والدولية التي تنتهجها الجمهورية العربية المتحدة، لكن من غير أن يفرض ذلك على لبنان التخلّي عن صداقاته مع العالم الخارجي. واقعة، تحثّ على المقارنة بين الأمس واليوم، والتساؤل: ألا تعتبر الممارسات والتدخلات والإرتهانات التي أصبحت واضحة، ضربا لمبدأ السيادة؟ وماذا تبقى من دولة القانون والمؤسسات؟ وهل نحن فعلا في بلد الفرص الضائعة؟.

كل ما نراه اليوم، في هذا الاطار، "نتيجة توريث غير مؤهلين للسلطة" بحسب رزق الذي قال: "لا شك إننا نعيش في مرحلة فقدان السيادة التي تحتّم وحدانية المرجعيات المسؤولة، وفقا للدستور، في التشريع والتنفيذ وفي رئاسة الجمهورية". وبالتالي علينا "أوّلا، إعادة الاعتبار لمفهوم الخدمة" فالرئيس شهاب انطلق من قناعة مبدئية، واعتبارات حضارية حيث يجب أن تكون المؤسسات سليمة كي تستطيع تأمين الخدمة العامة. كما يروي رزق، ويتابع "للأسف، المؤسسات اليوم في حالة شلل تام، وانهيار مستمر بسبب التنافس والتزاحم على المكاسب والمراكز لأن مفهوم السلطة بات مرادفا للوجاهة وللممارسة الفوقية".

بعد كل هذه السنوات، وبعد أن وصل البلد إلى حافة الإنهيار الكلّي، هل هناك من أمل في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، بقيادة رجال دولة أمثال الرئيس شهاب وغيره من أولئك الذين لعبوا دورا كبيرا في تاريخ لبنان حيث أعمالهم ومواقفهم تشهد لهم، وتجعلهم مثالا يحتذى به بعد سنوات طويلة على رحيلهم لأنهم "انطلقوا من مبدأ إن السلطة مسؤولية، وكرامتها مرهونة بآدائهم؟

السلطة اليوم، وجاهة، والكرامة مباحة، لذلك، نشعر "أن الرئيس شهاب الحاضر الأكبر في حضرة الشغور الرئاسي القائم منذ انتهاء ولاية الرئيس الياس سركيس، لأن ملء المقعد ليس بالأشخاص إنما بآداء المهام، والقيام بالواجب" على حدّ قول الوزير والنائب السابق إدمون رزق.



يقرأون الآن