الأصوات

في عامِ 1994، شَهِدَ العَالَمُ واحدةً من أبشعِ الإباداتِ الجماعيةِ في التَّاريخ الحديث وأسرعِها، إذ قُتل مَا يُقاربُ المليون شخص خلالَ 100 يومٍ فقط في رواندا. لم تكنْ تلكَ المأساةُ وليدةَ لحظةٍ مفاجئةٍ، بل جاءت نتيجةَ تصاعدٍ خطيرٍ لخطاباتِ الكراهيةِ والتَّحريضِ التي استباحَتِ النَّسيجَ الاجتماعيَّ للبلاد.

لقد لَعبتْ إذاعاتٌ محليةٌ دوراً حاسماً في إشعالِ شرارةِ العُنف، عندمَا استخدمتْ رموزاً لفظيةً مشفَّرةً مثلَ عبارةِ «اقطعوا الأشجارَ الطويلة» في إشارةٍ واضحةٍ إلى أقليةِ التوتسي، الذين كانوا يُوصَفون بأنهم أكثر طولاً من غالبية الهوتو.

كانتْ تلك العبارةُ بمثابةِ شيفرةٍ لارتكابِ المجازر، فاندفعَ النَّاسُ يقتلونَ جيرانَهم، بل وحتى أفرادَ أسرِهم، تحت تأثيرِ تحريضٍ موجَّهٍ وممنهَجٍ.

تحوّلت هذه الإبادةُ إلى مرجعٍ قانونيّ في المحاكمِ الدَّولية، إذِ اعتبرتِ المحكمةُ الجنائيةُ الدوليةُ أنَّ خطاباتِ الكراهية، بمَا فيها الرموزُ المجازية، تُعدُّ تحريضاً مباشراً علَى ارتكابِ جرائمَ ضدَّ الإنسانية. وهكذَا يصبحُ الإعلامُ أو الخبيثُ منه، إحدَى أخطرِ أدواتِ التَّحريضِ التِي تُستخدمُ لتمزيقِ المجتمعاتِ بدلاً من توعيتِها.

لِذَا كانَ التَّحذيرُ الذي أطلقَهُ أميرُ الكويت الشيخ مشعل الأحمد الصباح الأسبوعَ الماضي، في خطابٍ رمضانيّ استثنائيّ، ضدَّ «الأصوات الشاذة» التي تسعَى لزرعِ الفتنةِ، وتعملُ علَى تقويضِ قيمِ المجتمعِ وهدمِ مرتكزاتِه، داعياً إلى تحرُّكٍ دستوريّ عاجلٍ يعزّز الهُويةَ الوطنيةَ ويحصّنُ البلادَ من خطرِ الانزلاقِ في مساراتٍ تؤدّي إلى «انهيار الدول».

تحذيرُ الشيخ مشعل لم يكنْ مجرَّدَ دعوةٍ داخلية، بل يمكنُ فهمُه على أنَّه رسالةٌ موجَّهةٌ إلى كلّ دولِ المنطقة، مفادها أنَّ التَّساهلَ مع «الأصوات الشاذة» هو خطأ فادحٌ يُضعف هيبةَ الدَّولةِ ويمزّقُ نسيجَها الاجتماعيَّ، ويهيّئُ الأرضيةَ لاضطرابات لا تقلُّ خطورةً عن الحروبِ المباشرة.

هذه الأصواتُ قد ترتدِي عباءاتٍ براقةً مثل «الحرية» أو «محاربة الفساد» أو حتى «الدين»، لكنَّ جوهرَها في كثيرٍ من الأحيان يكون دعوةً مبطنةً للفوضى، والتشكيكِ في مؤسسات الدولة، وإضعافِ مناعتِها الداخلية، مما يفتح البابَ أمام التَّدخلات الخارجية، لذلك نجد أنَّ الدولَ حتى التي تدَّعي «حرية تعبير» أنظمتُها صارمةٌ ضد كلّ من ينشر محتوىً عنصرياً أو طائفياً أو معادياً، بل تعدُّه بعضُ الدّولِ الغربيةِ جريمةً جنائيةً تستوجبُ العقاب.

فحينمَا اندلعتْ أعمالُ شغبٍ في بريطانيا نتيجةَ معلوماتٍ مضللة نُشرت عبرَ وسائلِ التَّواصل الاجتماعيّ عام 2023، استنفرتِ الدَّولةُ كاملَ أجهزتِها الأمنيةِ والقضائية، وفعَّلت بروتوكولَ المحاكم الطارئ الذي يسمحُ بانعقادِ الجلسات القضائيةِ على مدار 24 ساعة، لتوجّهَ بذلك رسالةً حازمةً تؤكد أنَّ الدولةَ لن تسمحَ بزعزعةِ الاستقرار، وأنَّ العدالةَ ستُنفذ بسرعة وحزمٍ لحمايةِ الأمن العام وهيبةِ القانون.

التَّاريخُ يُعلّمنا أنَّ الكارثةَ لا تبدأ بالصواريخ، بل بالكلمات، فالحرب أوّلها كلامٌ، لذا فإنَّ التحصينَ السياسيَّ، والإعلاميَّ، والاجتماعيَّ، لا يقل أهمية عن التحصين الأمنيّ والعسكري. حمايةُ الأوطانِ تبدأ من وعي الشُّعوب، واليقظةِ تجاه الخطابات المضلّلة، واتخاذِ خطواتٍ جادةٍ لقطعِ الطَّريق على كلّ من يهدّد استقرارَها، حتى لو كانَ ذلك عبرَ الميكروفون، لا عبرَ البندقية.

الشرق الأوسط

يقرأون الآن