يردد كثير من الناس أن الوقت في هذا العصر يمر بسرعة هائلة، فما يكاد يبدأ الأسبوع حتى تجدك في آخره، وما يبدأ شهر حتى ينتهي، وكذا الأعوام التي تمر بسرعة كالشهور وهكذا. كانت والدتي - رحمها الله - تردد "لا تعد شهر مضى منه ليل"، والمعنى واضح بأنه ما يبدأ الشهر حتى ينتهي، كان كبار السن يقولون بعد مضى يومين أو ثلاثة على شهر الصيام أن "رمضان راح وخلّص الله يشرّفه".
وعلى "طاري" رمضان: إلى متى ونحن ندخل كل عام في جدل حول بدايته ونهايته؟ إلى متى ونحن نردد أن "ديننا دين العلم" لكننا لا نلجأ لوسائل العلم الحديث والحساب والفلك والرياضيات لنحسم هذا الأمر بنية أن يصوم المسلمون معاً ويفرحون بالعيد بالوقت نفسه؟ لماذا يرفض من يسميهم بعضنا علماء اللجوء للوسائل الحديثة لتلمّس هلال رمضان أو هلال العيد؟ أعجبني تعليق لرجل الدين المقيم في قم بإيران كمال الحيدري الذي يتعجب من "تشدد" البعض وإصرارهم على رؤية الهلال بالعين المجردة ويرفضون وسائل العلم الحديث مثل التليسكوبات المكبّرة والرياضيات والحساب، لكنهم - كما يقول الحيدري - يلجأون لوسائل العلم الحديث في الطبابة والعلاج حين يمرضون ويذهبون إلى بلدان أجنبية غير مسلمة للعلاج الحديث وفيها تصنع التليسكوبات الحديثة؟
والإجابة عن تساؤلات الحيدري بسيطة، فالتنازل والتواضع للعلم الطبيعي يسحب بساط الهالة الوهمية من تحت الذين يسميهم بعضنا علماء، ويفتح الباب للعقل والتفكير والتبصّر. وهو ما ينادي به الحيدري كواحد من دعاة التجديد في الفكر والفقه الإسلامي، وبمناسبة دعاة التجديد، فبهذا العام 2025 يكون قد مضى قرن من الزمان على تأليف كتاب شيخ الأزهر علي عبدالرازق "الإسلام وأصول الحكم" 100 عام.
كان الكتاب من كتب التجديد التي جادلت بعدم وجود صيغة واحدة للحكم وفق الشريعة الإسلامية، وأن الإسلام أعطى المسلمين حرية اختيار نظام الحكم وفق الزمن والظروف، وتصدى له الأزهر، وسحب منه شهادة العالمية إلى آخر الحكاية.
بالعودة لسرعة الزمن، يقول بعضهم إن مرور الزمن بسرعة إنما هو مؤشر على رغد العيش، فمن يعيش في ضنك وهم وغم وقهر ومرض أو غيرها من عوائد الدهر وآلامه فإن الوقت يمر عليه ببطء شديد.
يغني العشاق تعبيراً عن الوَلَه والحنين "يا ليل يا ليل"، ونقول بالأقوال الشعبية "يا ليل ما أطولك!"، كناية عن طول الليل بآهاته وأنّاته، وفي لهجة قبيلة آل مرة تتردد عبارة "أمحق زمان" تذمراً من سوء الحال.
ويترادف الوقت والزمن والعصر بالمعنى إلى حد ما، ولا أدري لماذا العصر تحديداً؟ فنقول العصور الماضية كالعصر الحجري والعصر البرونزي والعصور الوسطى وهكذا، لكننا لا نقول الصباحات الماضية أو المساءات الغابرة أو الظُّهر البرونزي أو الفجر الحجري أو الضحى الطباشيري. استخدم المفكر والمؤرخ المصري الكبير أحمد أمين بثلاثيته الشهيرة أسماء "فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام"، لكن استخدام العصر وحده كجزء من النهار يمتد ليتجاوز جزءاً من النهار فيكون ردحاً طويلاً من الزمن أو من الوقت.
يتقادم الزمن وتتبدل العصور ويتغير الوقت، وبعض البشر يستنسخ استنساخاً لا يتغير تفكيره مهما طال الزمان، تحاول أن تناقشه فتجد أنك تخاطب شخصاً عاش ما قبل العصور الوسطى، هؤلاء النوعية من البشر يحار فيهم الوقت، ويعجب أمامهم العصر، ويتعجب منهم الزمان، وهم من كانوا وراء الجدل والشقاق حول ظهور هلال العيد كما كانوا منذ عصور غابرة وأوقات ماضية.
الاتحاد