الطرقات التي يسلكها اللبنانيون يوميًا لم تعد مجرّد مسارات عبور، بل تحوّلت إلى احتمالات مفتوحة للموت في أيّ لحظة. يخرج المواطن إلى عمله أو جامعته أو منزله، من دون أن يعرف إن كان سيعود سالمًا، أم "مكفّنًا" على قارعة الطريق.
هذه الطرقات، التي تفتقر إلى أبسط معايير السلامة، لا تعاني فقط من الإهمال التقني، بل من غياب شبه كامل للاهتمام من الجهات المعنية، على الرّغم من وضوح الخطر وتكراره.
أمام هذا الواقع، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل حوادث السير في لبنان قدر لا مفرّ منه، أم نتيجة نظام فَشِلَ في حماية الناس؟
في بلد يُخصّصُ للسّير قانونًا، ولجنةً وطنيةً للسلامة المرورية، ووزارة أشغال عامّة، من الطبيعي أن تُوجّه الأسئلة إلى هذه المؤسسات، لا بحثًا عن تبرير، بل عن المسؤولية.
فرضية التحقيق: الإهمال كسياسة غير معلنة
ينطلق هذا التحقيق من فرضية أساسية مفادها أنّ حوادث السير في لبنان ليست مُجرّد حوادث عرضية، بل هي نتيجة إهمال مؤسساتي ممنهج، يتجلّى في الآتي:
- بنية تحتية مُهترئة
- غياب الرقابة والمُحاسبة
- تعطيل متعمّد أو إهمال في تطبيق القوانين
يُحاول هذا التّحقيق اختبار هذه الفرضية من خلال الأرقام، الشهادات، ومواجهة الجهات المعنيّة.
وزارة الأشغال… غياب رسمي في ملف قاتل
عند محاولة التواصل مع وزارة الأشغال، باعتبارها الجهة المسؤولة مباشرة عن الطرقات الدولية والرئيسية، تبيّن حجم الغياب.
فقد أجاب المدير العام للوزارة، عند الاتصال به، بأنه “مش فاضي”، أي ليس عنده وقت للإجابة عن الأسئلة. ردّ مقتضب، لكنه كاشف: لا موقف، ولا حتى توضيح!
هذا الرفض أو التجاهل بحد ذاته معلومة، ويطرح سؤالًا جوهريًا: كيف لوزارة يُفترض أنها "حريصة" على السلامة العامة أن تغيب عن ملف يحصد الأرواح يوميًا؟
قوى الأمن الداخلي: نطبّق القانون… وحدنا؟
في المقابل، يقدّم رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العميد جوزيف مسلّم، رواية مختلفة.
يؤكد أنّ قوى الأمن تتابع حوادث السير، لا سيما في ما يُعرف بـ"النقاط السوداء". وأشارَ إلى أنّ المديرية ترسل كتبًا رسمية إلى وزارة الأشغال عند تكرار الحوادث في مناطق معيّنة.
كما يستعيد مسلّم مرحلة ما قبل الأزمة الاقتصادية، حيث استطاعت المديرية تطبيق قانون السير بشكل صارم، ما أدى تلقائيًا إلى انخفاض كبير في عددِ الحوادث، وإنقاذ ما بين 200 و300 شخص.
لكنّ هذا الواقع تغيّر مع اندلاع ثورة 17 تشرين 2019، والانهيار المالي، وارتفاع سعر صرف الدولار. إذ فقدت غرامات السّير قيمتها الردعية، وتراجعت البنية التحتية لغياب الصّيانة، وتوقّف عمل إشارات السّير وكاميرات المُراقبة.
يشير مسلم إلى أن محاضر السير ارتفعت بشكل هائل بين عامي 2024 و2025، لكنه يعزو صعوبة تطبيق القانون إلى غياب التكنولوجيا، وتعطّل الإشارات، معتبرًا أن هذه الأدوات تضاعف فعالية أي قانون.
وإن أكّدَ العميد مسلّم وجود تنسيق بين غرفة عمليات التحكم المروري، ووزارة الأشغال، والبلديات وقوى الأمن الدّاخلي، لكنّه يعترف بأن وزارة الأشغال "تلبي بحسب قدرتها"، وأن هناك مشاريع لا قدرة لها على تنفيذها.

إجراءات أمنية… بقدرة محدودة
يتوقّع العميدُ مسلّم ارتفاع أعداد محاضر الضّبط بحسب قانون السّير في عام 2026 كما حصلَ في 2025،. ولفتَ إلى تركيز قوى الأمن على مخالفات محددة، وإطلاق إجراءات جديدة، بدأت فعليًا في محيط بيروت الكبرى، بعلبك، زحلة، وأميون.
كما يرى أن فحوصات الكحول (ALCO TEST) تشكّل مقدمة لمسار أوسع. ويشدّد على أن المديرية تقوم بقدر ما تستطيع، وأن المسؤولية لا تقع على عاتق قوى الأمن وحدها.
نستعرضُ في النّقاط الآتية أبرز الإجراءات التي تعتمدها قوى الأمن:
- تحسين وضع مصلحة السيارات
- اعتماد امتحانات قيادة صارمة للمرة الأولى
- توسيع نطاق فحوصات الكحول
لكنّ العميد مسلّم يلفتُ إلى أنّ السلامة المرورية تحتاج إلى تعاون جميع الجهات، لا تحميل العبءَ على قوى الأمن وحدها.
خبير السلامة المرورية: لا مقاربة علمية… ولا أولوية
من زاوية مختلفة، يرى رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية كامل إبراهيم أن الحد من الحوادث ممكن في حال اتخاذ الإجراءات المناسبة.
لكنّ المشكلة الأساسية أنّ لبنان لا يعتمد أي مقاربات علمية أو مستدامة لمعالجة هذا الملف، لم يكن أولوية في ظل الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية. لكنه أشار إلى أنّ هناك اليوم جهودًا واضحة تقوم بها وزارة الداخلية لمعالجة هذه المسألة بشكل فعّال.
يشير كامل إلى غياب هيئة قيادية تتولى هذا الملف بشكل مؤسساتي، باستثناء مبادرات فردية من بعض الوزراء. يُؤكّد أنّ الحوادث ليست قَدَرًا، بل نتيجة استراتيجيات غير موجودة أصلًا.
الأرقام… أزمة داخل الأزمة!
يعاني لبنان من تعدّد الأرقام المتعلقة بحوادث السير.
فهناك أرقام غير معلنة، وأخرى متناقضة بين الجهات. سبب ذلك غياب مرصد وطني يجمع البيانات من قوى الأمن، المستشفيات، الصليب الأحمر، وغيرها، ويصدر تقارير دورية.
يشير كامل إلى ارتفاعٍ واضحٍ في أعداد الضحايا. ويؤكّدُ أن منظمة الصحة العالمية تعتبر أن الأرقام المعلنة في لبنان أقل من الواقع الحقيقي، ما يجعل الصورة أكثر مأساوية.
لماذا تحصل الحوادث؟ ثلاثة عناصر أساسية
يرى كامل إبراهيم أنّ حوادث السير تعودُ إلى ثلاثة عناصر مترابطة، وهي:
- الطُّرقات
- المركبات
- السلوك البشري
وعن البنية التحتية، يؤكد أن لبنان يفتقر إلى أي مفهوم علمي لتأمين الطرق.
فالطبقات الإسفلتية المتهالكة، حتى عند صيانتها، لا تضمن السلامة، في ظل غياب تخطيط الطرق، الإشارات المناسبة، واللافتات الواضحة.
ويرى أنّه على وزارة الأشغال اعتماد مقاربة علمية، حتى في ظل غياب الأموال، والتركيز على رفع مستوى الأمان في الطرق الأكثر خطورة، لا الاكتفاء بصيانتها الشكلية.
النقاط السوداء: الخطر معروف… والإهمال مستمر
يحدّد الخبراء والجهات المعنية عددًا من الطرق التي تشكّل نسبة كبيرة من الضحايا، أبرزها:
- طريق شكا – أميون – مدخل طرابلس
- أوتوستراد ضهر البيدر – زحلة
- شتورة – تعنايل – بر الياس
- أوتوستراد بعلبك
- أوتوستراد المتن الساحلي
- طريق إميل لحود من الكرنتينا إلى الحازمية
- طريق الزهراني – النبطية
- أوتوستراد صيدا – صور
وعلى الرّغم من معرفة المعنيين لهذه النقاط، لكن لا توجد خطة واضحة لمعالجتها، سوى تحميل السائق المسؤولية، رغم أن السلوك البشري ليس العامل الوحيد.
البلديات – الأشغال - السياسة
يشير كامل إلى أنّه للبلديات دورًا أساسيًا في رفع مستوى السلامة، لكنّ وزارة الأشغال تبقى المسؤولة المباشرة عن الطّرق الواقعة ضمن نطاقها، وهي الطّرقات الرّئيسية.
كما يضيف أن الأموال تُحوَّل أحيانًا إلى البلديات دون صيانة فعلية، في ظل واقع سياسي انتخابي حوّل الوزرات إلى مؤسسات خدماتية"، لا إلى صانعي سياسات.
الحلول… معروفة ولكن مؤجّلة
الحل، بحسب الخبراء، يبدأ بالآتي:
- صرف الأموال بطريقة علمية
- معالجة الطرق الأكثر خطورة أولًا
- إخضاع الصيانة لمعايير عالمية
- تخطيط الطرق
- توظيف خبراء سلامة مرورية
- ترشيد الإنفاق بعيدًا عن الأهداف السياسية
يؤكد كامل أنّ القوانين المرورية كافية، لكن المشكلة في انخفاض قيمة الغرامات بعد الأزمة، ما يستدعي تعديل القانون من مجلس النواب.
المشاة: الضحايا المنسيّون
يشكّل المشاة نحو 40% من ضحايا حوادث السير، خصوصًا على الطرقات الدولية.
وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ حقوقهم لا تُراعى، ولا تُصمّم الطّرقات بما يحميهم، ما يجعلهم الفئة الأكثر هشاشة.
بلدية شتورة: تحميل السائق المسؤولية خطاب زائف
يعتبر رئيس بلدية شتورة ميشال مطران أنّ الحوادث نتيجة تقصير مؤسساتي عالٍ في التخطيط والتنفيذ، محمّلًا الحكومة والمجلس الوطني للسلامة المرورية المسؤولية الأساسية.
يرى أنّ تحميل السائق وحده المسؤولية يتعارض مع أدبيات السلامة المرورية العالمية، التي تعتمد “النظام الآمن”، معتبرًا أن هذا الخطاب وسيلة للفرار من المحاسبة.
"يازا": الأرقام كارثية… والدولة غائبة
يصف نائب رئيس جمعية "يازا" جو دكاش أرقام حوادث السير في لبنان بالكارثية. ويشيرُ إلى أنّ الانخفاض بين 2019 و2021 لم يكن نتيجة إجراءات، بل بسبب كورونا، الثورة، والإقفال العام.
ومنذ 2021، عادت الأرقام إلى الارتفاع، في ظل غياب مركز وطني للإحصاء، وعدم وجود ثقافة مرورية واضحة.
يعدّد دكّاش الأسباب الأساسية:
- السرعة
- طبيعة الطرق
- غياب الإنارة
- استخدام الهاتف
- حوادث الدهس
- الدراجات دون خوذ
- غياب المعاينة الميكانيكية
يشير إلى أنّ 60% من الطرقات لم تخضع لأي معاينة منذ 2019.
الشاحنات – الأنفاق - الكاميرات الغائبة
تُعدّ الشاحنات الثقيلة واحدةٌ من الأسباب القاتلة بسبب حمولتها الزائدة وغياب الرقابة.
كما أن مداخل ومخارج الأنفاق تفتقر للإنارة. على سبيل المثال، أوتوستراد المتن منشأ هندسيًا بشكل خاطئ، من دون متابعة أو تصحيح.
كما أنّهُ لا توجد كاميرات فاعلة لرصد النقاط السوداء، على الرّغم من وجود غرف تحكّم، ما يعكس غياب التنسيق والميزانيات.
الموت ليس حادثًا… بل نتيجة
الموت على طرقات لبنان ليس حادثًا طارئًا، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال، والقرارات المؤجّلة، والقوانين غير المطبّقة، والجهات التي تعرف ولا تتحرّك.
في بلد يعرف أين يقتل الطريق، يبقى السؤال معلقًا: كم ضحية أخرى تحتاجها الدولة قبل أن تتحمّل مسؤوليتها؟


