استفاق اللبنانيون أمس على حراك في الشارع من بيروت الى الجنوب الى البقاع وصولا الى الشمال، احتجاجاً على رفع سعر صفيحة البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة إذ عمد المحتجون الى قطع الطرقات في مختلف المناطق قبل ان يعمل الجيش والقوى الأمنية على اعادة فتحها فيما عبّرت بعض القوى السياسية عن رفضها تحميل أعباء اضافية للناس، تطال حياتهم اليومية، وتمس لقمة عيشهم في وقت يتراجع فيه دخلهم، وتتآكل قدرتهم الشرائية خصوصا ان ارتفاع سعر المحروقات لا ينعكس فقط على النقل، بل ينسحب تلقائياً على أسعار السلع والخدمات كما ان زيادة الـTVA تُصيب استهلاكهم اليومي.
لا شك ان الناس يعانون منذ سنوات من ضائقة اقتصادية غير مسبوقة، وفقدوا الثقة في إدارة الدولة للأزمات المستفحلة، والتحركات التي حصلت أو التي قد تحصل في الايام المقبلة ليست سوى نتيجة لغضب تراكمي بات ناضجا بما فيه الكفاية ليؤدي الى انفجار اجتماعي خصوصا ان هناك حكومات سابقة سقطت بعد تحركات في الشارع، وأزمات معيشية، وقرارات مماثلة ما يضع حكومة الرئيس نواف سلام تحت ضغط إدارة أزمة اقتصادية لامتصاص الغضب. مع العلم ان أي تحرك شعبي تتداخل فيه الحسابات السياسية أو يتم استثماره خصوصا عشية الانتخابات النيابية التي يتم الحديث عن تأجيلها أو التمديد للمجلس النيابي الحالي، لكن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب نبيه بري نفى هذا الامر جملة وتفصيلاً.
على أي حال، وبعيدا عن الهاجس المعيشي المحق، والجانب الاقتصادي الملح، فهناك من يتحدث في الكواليس السياسية ان التحركات الشعبية مدروسة، وحصلت عن سابق تصور وتصميم، وسيناريو تطيير الحكومة أو اسقاطها يتم رسمه منذ مدة في ظل تمسكها بتنفيذ حصرية السلاح الذي هو مطلب أميركي ملح بحيث ان واشنطن مصرّة على تنفيذه، وتدعم الحكومة في هذا الملف، وربما تتراجع عن موقفها تحت ضغط الحراك المطلبي أو أقله يحصل تصدع كبير داخل مكوناتها مع العلم ان نواب "حزب الله" لم يسجلوا اعتراضهم أو انسحابهم من الجلسة التي عرض فيها قائد الجيش المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح.
النائب قاسم هاشم أكد في حديث لموقع "وردنا" ان التحركات الشعبية جاءت عفوية وولدت في لحظتها. أتت كردة فعل طبيعية تعبيرا عن اعتراض على قرار حكومي. لا علاقة للتحركات الشعبية بموضوع اسقاط الحكومة أو ما شابه. وتسليط الضوء على هذا الفريق أو سواه انه يقف خلف التحركات في غير مكانه كليا. التحركات محدودة وخجولة وحجمها يدل على ان ما من جهة معينة تقف وراءها انما جاءت عفوية وبلحظتها.
ولفت الى انه علينا انتظار ان كانت ستحصل تحركات في المسقبل، وما هو نوعها أو هدفها، لكن التحليلات والتكهنات كثيرة، ولبنان بحاجة الى الاستقرار الداخلي، ووحدة الموقف لمواجهة التحديات. يكفينا ما نحن عليه.
وعما يُقال في الكواليس ان لدى بعض الاطراف مصلحة في اسقاط الحكومة على خلفية ملف السلاح، شدد هاشم على ان كل ذلك يمكن وضعه في خانة التحليل الاعلامي، لا بل كان هناك ترحيب كبير برئيس الحكومة حين زار الجنوب، وكان المشهد واضح. لا يجب التوقف عند هذا الكلام.
وعن الانتخابات النيابية، قال هاشم: نحن مقتنعون ان الانتخابات النيابية ستجري في موعدها، ونحن من الاوائل الذين قدموا أوراق ترشحهم ما يعني اننا مقتنعون ان الانتخابات قائمة، وليس هناك من تأجيل.
من ناحيته، شدد الكاتب والمحلل السياسي جورج علم على ان التحركات أخذت الطابع المعيشي الاقتصادي لأن الضرائب استهدفت كل طبقات الشعب اللبناني، وربما يحصل استغلال سياسي لهذه التحركات، لكن الدوافع الاساسية هي الضرائب. الوزراء في الحكومة وافقوا على الضرائب رغم تحفظ البعض. والحكومة بعد التحركات في الشارع ربما ستعيد النظر بالضرائب على البنزين وسواها، وتدرس خيارات أخرى تكون أقل تأثيرا على المواطن. الامور قيد المعالجة، ولا أظن ان الشارع قادر على اسقاط الحكومة في هذا الظرف. اسقاط الحكومة خط أحمر خصوصا في حال حصلت الانتخاباب النيابية في موعدها بحيث إن عمرها لا يتعدى الشهرين.
وأشار علم الى ثالوث مقدس بين الرئاسات الثلاثة أي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، وهم متفقون على اجراء الانتخابات في موعدها ما يعني ان هناك تناغما بين المرجعيات حول هذا الاستحقاق الدستوري وربما الاستحقاقات الكبرى. لا أرى خلافات جوهرية بين الرئاسات الثلاثة بقدر ما يسمى تباينا في وجهات النظر. اسقاط الحكومة لا يمكن ان يتم الا باستقالة الرئيس سلام او بانسحاب فريق من الوزراء. وبالتالي، الرئيس سلام مستمر في رئاسة الحكومة التي ستشرف على الاستحقاق المهم في أيار المقبل، وتفسح المجال بعدها امام حكومة جديدة ستكون برئاسة نواف سلام الا اذا حصلت تطورات خارجية قلبت المقاييس.


