أثار استهداف منشآت البتروكيماويات في إيران تساؤلات بشأن حجم التأثير لهذه الضربات على الاقتصاد الإيراني، وقدرتها على إرباك أحد أهم القطاعات الحيوية التي تعتمد عليها طهران في مواجهة العقوبات الغربية، فضلاً عن انعكاسات ذلك على النظام الإيراني ذاته ومدى قدرته على تحمل تلك "الضربات القاسية".
ويرى محللون ومختصون في الشؤون الإيرانية، في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن استهداف هذه المنشآت لا يقتصر تأثيره على الجانب الاقتصادي المباشر، بل يحمل أبعادًا أعمق تتعلق بإعادة تشكيل أدوات الضغط على طهران.
وتشير التقديرات إلى أن أي تعطيل حتى لو كان جزئياً في عمليات الإنتاج أو التصدير، يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة، لكن من ناحية أخرى، تتجاوز تداعيات هذه الضربات البعد الاقتصادي، لتصل إلى البعد الاستراتيجي، إذ إن استهداف منشآت البتروكيماويات يحمل رسائل تتعلق بقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على اختراق العمق الصناعي الإيراني، وليس فقط البنية العسكرية.
ما تبعات الاستهداف؟
من لندن، اعتبر الباحث المتخصص في الشأن الإيراني وجدان عبد الرحمن، "استهداف المنشآت البتروكيميائية في الداخل الإيراني له دلالة واضحة، وهي أن هذه الشركات تدعم الاقتصاد الإيراني بشكل كبير بعد النفط، لأن إيران بلد ريعي يعتمد على النفط ومشتقاته، وكذلك على البتروكيميائيات، لذلك، قامت الولايات المتحدة، بعد استهداف النفط الإيراني، بفرض عقوبات على هذا القطاع، لأنه يمد الاقتصاد الإيراني وتحديداً الحرس الثوري الإيراني بموارد مالية كبيرة".
وأوضح عبدالرحمن في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "استهداف المنشآت البتروكيميائية اليوم يشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت بتنفيذ خطة لضرب قطاع الطاقة الإيراني، بدءاً من المنشآت الاقتصادية والحيوية داخل البلاد، والتي تمد إيران بجزء كبير من احتياجاتها من المشتقات المرتبطة بالطاقة، وبالتالي، فإن حرمان إيران من هذه الشركات سيؤثر على قطاعات واسعة في الداخل الإيراني، إلى جانب تقليص الموارد المالية التي تصل إلى الحرس الثوري الإيراني عبر هذه الشركات".
وأشار إلى أنه من المرجح أنه بانتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم 6 ابريل، ستستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل المزيد من المنشآت الحيوية في إيران مثل قطاع الطاقة.
وعاد الباحث المتخصص في الشأن الإيراني للقول: "أعتقد أن هذه العمليات قد بدأت فعلياً حتى قبل انتهاء المهلة، من خلال استهداف قطاع البتروكيميائيات، وقد نشهد لاحقاً، وفي وقت قريب، استهدافاً مباشراً لمنشآت الطاقة، خاصة بعد حصول إسرائيل على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة، وبالتزامن مع انتهاء المهلة التي حددها ترامب لإيران".
ما الدلالة العسكرية؟
من الناحية العسكرية، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء نصر سالم، أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول واضح في طبيعة الأهداف، حيث بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في توجيه ضربات مركزة نحو قطاع الطاقة في إيران، باعتباره أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدولة، وليس فقط استهداف القدرات العسكرية التقليدية.
وأوضح سالم لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن هذا التوجه يعكس استراتيجية تهدف إلى إضعاف البنية التحتية الحيوية، من خلال استهداف منشآت البترول ومحطات الطاقة، بما يضاعف من الضغوط على الداخل الإيراني، سواء على المستوى الاقتصادي أو المعيشي.
مرحلة الإنهاك
أما الخبير في الشؤون الإيرانية، محمد محسن أبو النور، فأوضح أن "الضربات التي استهدفت المنشآت البتروكيماوية داخل إيران اليوم تحمل دلالة تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ تعكس انتقالًا واضحًا نحو استهداف البنية الاقتصادية للنظام بدلًا من الاكتفاء بضرب الأهداف العسكرية التقليدية، ذلك أن القطاع البتروكيماوي يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة لإيران، وأحد أعمدة الاقتصاد الإيراني المرتبط بالطاقة والتصدير".
وشدد أبو النور في تصريحات لسكاي نيوز عربية، على أن "ضرب هذا القطاع يعني توجيه ضغط مركب يهدف إلى تقليص قدرة الدولة على تمويل أنشطتها، سواء العسكرية أو الاجتماعية، ودفعها إلى حالة إنهاك تدريجي".
وقال إن "هذا النوع من الاستهداف يكشف أيضًا عن محاولة نقل المعركة إلى الداخل الإيراني من خلال التأثير غير المباشر على المجتمع فالإضرار بقطاع الطاقة والبتروكيماويات ينعكس سريعًا على الاقتصاد المحلي، من حيث فرص العمل، والأسعار، ومستوى الخدمات، وهو ما قد يخلق حالة ضغط داخلي متصاعدة، وبالتالي فالهدف هنا لا يبدو إسقاط النظام بشكل سريع، بقدر دفعه إلى مواجهة تحديات داخلية متراكمة قد تؤثر على تماسكه وقدرته على اتخاذ قرارات مستقرة".
في المجمل، يرى أبو النور أننا إزاء مرحلة تتسم بإعادة صياغة قواعد الاشتباك، حيث يتحول التركيز من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استهداف عناصر القوة الاقتصادية، واستخدام الوقت كأداة ضغط، وهذا يجعل الفترة التي تلي انتهاء مهلة ترامب مفتوحة على سيناريوهين متوازيين؛ إما تصعيد أكثر اتساعًا، أو دخول الأطراف في مسار تفاوضي تحت وطأة الضغط المتزايد. (سكاي نيوز)


