في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء الإعلان عن وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران ليطرح أسئلة أكثر مما يقدّم من إجابات، خصوصاً في ما يتصل بالجبهة اللبنانية التي لا تزال تكتنفها الضبابية. فحتى الآن، لم تتبلور صورة واضحة حول ما إذا كان هذا الاتفاق يشمل لبنان، أم أنه سيبقى ساحة مفتوحة أمام استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
في هذا السياق، تبدو الروايات متضاربة. من جهة، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى الإيحاء بأن التفاهم لا يشمل الجبهة اللبنانية، في محاولة واضحة لفصل المسارات والإبقاء على هامش مناورة عسكرية. في المقابل، نفت أوساط دولية هذا الطرح، ولا سيما عبر الوسيط الباكستاني الذي أكد أن الاتفاق يشمل مختلف الجبهات، ما يعيد خلط الأوراق ويفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول حقيقة ما تم التوافق عليه.
هذا التباين لا يمكن فصله عن المأزق السياسي الذي يواجهه نتنياهو داخلياً، حيث تصاعدت حدة الانتقادات في الإعلام الإسرائيلي على خلفية عدم تحقيق الأهداف التي رُفعت سابقاً، سواء لجهة نزع سلاح حزب الله أو إبعاده عن الحدود الشمالية، وصولاً إلى فشل مشروع إقامة منطقة عازلة حتى نهر الليطاني. وفي ظل هذا الضغط، قد يجد نتنياهو نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بوقف شامل لإطلاق النار بما يحمله من كلفة سياسية، وإما الاستمرار في التصعيد، مع ما ينطوي عليه من مخاطر توسّع المواجهة.
ميدانياً، لا تعكس الوقائع حتى اللحظة أيّ التزام واضح بوقف النار. فإسرائيل تواصل عمليات القصف، وتُبقي على إنذارات الإخلاء لسكان الجنوب، وكأن الاتفاق لا يعنيها بشكل مباشر. في المقابل، أصدرت إيران إشارات تفيد بأن الجبهة اللبنانية جزء لا يتجزأ من التفاهم، ملوّحة بإعادة النظر في التزاماتها إذا لم تلتزم إسرائيل، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد ويجعل الساعات المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة.
أما على المستوى اللبناني الرسمي، فلا يبدو أن هناك تبليغاً واضحاً أو موقفاً نهائياً حتى الآن، ما يعكس حالة انتظار وترقّب لما ستؤول إليه الاتصالات الدولية. لكن هذا الغموض يفتح في الداخل اللبناني نقاشاً أعمق حول المرحلة المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، في ظل واقع أثبتت فيه الحرب محدودية قدرة الدولة على فرض معادلاتها الأمنية، خاصة بعد انسحاب الجيش من الخطوط الأمامية في بدايات المواجهة.
في المقابل، من المرجّح أن يتعامل حزب الله مع أيّ وقف لإطلاق النار – في حال دخوله حيّز التنفيذ في لبنان – بوصفه إنجازاً استراتيجياً، خصوصاً إذا ثبت عجز إسرائيل عن تحقيق أهدافها. وقد ينعكس ذلك في الداخل عبر محاولة إعادة رسم التوازنات السياسية، مدعوماً بإمكانية تدفق دعم إيراني متجدّد، ما قد يعيد فتح ملفات كانت مجمّدة، ويضع خصومه أمام تحدّيات جديدة في كيفية التعاطي مع مرحلة ما بعد الحرب.
في موازاة ذلك، يبرز العامل الإنساني كعنصر ضاغط، مع تزايد رغبة النازحين في العودة إلى قراهم وممتلكاتهم بعد أن دفعوا أثماناً باهظة خلال فترة التصعيد، ما يجعل أي تأخير في حسم مسألة وقف النار في الجبهة اللبنانية عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد.
في المحصلة، يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار، بدلاً من أن يكرّس حالة من الوضوح، قد فتح الباب أمام مرحلة أكثر التباساً، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية مع الأزمات الداخلية لكل من لبنان وإسرائيل. وبينما تتجه الأنظار إلى مدى جدية الضغط الأميركي على نتنياهو، وإلى حدود التزام إيران بتفاهماتها، تبقى الجبهة اللبنانية معلّقة بين احتمال الاحتواء واحتمال الانفلات، في انتظار ما ستكشفه الساعات والأيام المقبلة.
النّهار - حسين سعد


