News

العميد طوني قهوجي.. الغرفة الهادئة خلف العواصف

العميد طوني قهوجي.. الغرفة الهادئة خلف العواصف

كتب رئيس التحرير

في بيروت، المدينة التي تنام على قلق وتستيقظ على لغز، ثمة رجال يختارون الإقامة في الظل، ليس خوفاً من الضوء، بل لأن طبيعة مهامهم تقتضي أن يكونوا هم الضوء الذي يكشف العتمة. في ذلك المكتب في مبنى وزارة الدفاع في اليرزة، حيث تُطبخ التقديرات وتُفكك الشيفرات الحساسة، يجلس رجل يختصر بملامحه الصارمة وصمته البليغ عقوداً من أسرار الأمن اللبناني. إنه مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد طوني قهوجي. الرجل الذي يقود المركب وسط أمواج إقليمية ومحلية عاتية، في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها الكيان اللبناني.

تسلم العميد قهوجي الدفة في توقيت كان يشبه السير في حقل ألغام. الانهيار الاقتصادي ينهش مؤسسات الدولة، والحدود اللبنانية مشتعلة بالاحتمالات، والداخل يعيش على صفيح ساخن من الاستقطاب. في هذا المناخ، لا تصنع الإدارة التقليدية فارقاً. كان المطلوب رجل إستراتيجية، قادراً على قراءة ما بين السطور في تقارير الاستخبارات الدولية، ومدركاً في آنٍ معاً تفاصيل الزواريب اللبنانية الضيقة. قهوجي، الذي تدرج في مدرسة المؤسسة العسكرية وتشرّب عقيدتها الصارمة، يعرف أن أمن لبنان ليس مجرد دوريات في الشوارع، بل هو قراءة استباقية للتحولات التي تجري في غرف القرار من واشنطن إلى طهران، مروراً بعواصم الجوار.

حين تنظر إلى مسيرته في إدارة المخابرات، تكتشف أسلوباً يجمع بين الحزم الأكاديمي والبراعة الميدانية. إنه يدرك أن الاستخبارات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على "المخبر التقليدي"، بل باتت علماً يدمج التكنولوجيا الفائقة بتحليل البيانات والمعلومات المتقاطعة.

واجهت المديرية في عهده ملفات بالغة التعقيد: من ملاحقة خلايا الإرهاب النائمة التي تحاول استغلال الفراغ، إلى ضبط شبكات التجسس التي يحاول العدو الإسرائيلي زرعها في النسيج اللبناني المستنزف، وصولاً إلى ضبط التوازنات الحساسة على الحدود البرية والبحرية.

يقبع خلف هذا الحزم العسكري رجل يُتقن الدبلوماسية الأمنية. زوار اليرزة من وفود عسكرية غربية وعربية يخرجون غالباً بالانطباع نفسه: هذا العميد لا يبيع أوهاماً، ولا يطلق شعارات شعبوية.

يتحدث بلغة الأرقام والوقائع والخرائط. يطرح حاجة الجيش للمؤازرة بدقة، ويقدم تقييمات أمنية للمنطقة تجعل العواصم الكبرى تصغي إليه باحترام. لقد نجح قهوجي في الحفاظ على خيوط التواصل مفتوحة مع الشركاء الدوليين، مؤكداً أن الجيش اللبناني، ومديرية المخابرات تحديداً، هما صمام الأمان الأخير لمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى الشاملة.

لكن التحدي الأكبر لمدير المخابرات في لبنان لا يأتي دائماً من الخارج. الاختبار الحقيقي هو القدرة على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع في بلد تحكمه التجاذبات الطائفية والسياسية. وهنا تكمن عبقرية طوني قهوجي. لقد استطاع إقفال أبواب المديرية بوجه التدخلات السياسية، رافضاً تحويل الأمن إلى أداة في يد هذا المحور أو ذاك. يدرك العميد أن بندقية الجيش ينبغي أن تظل موجهة نحو اتجاهين لا ثالث لهما: العدو المتربص، والإرهاب الساعي لتفجير الداخل.

جعل هذا التموضع الوطني الصرف من شخصيته محط ثقة وتقدير متقاطعين، حتى من القوى التي تختلف في كل شيء آخر.

حين تقرأ البورتريه الأمني للعميد قهوجي بأسلوب الكبار، تلمح فيه ملامح من أولئك الضباط الكبار الذين طبعوا تاريخ الاستخبارات بنكهة من الاحتراف والغموض الجذاب. تسمع في صمته صدى لرجالات بنوا مؤسسات صمدت بوجه عواصف المنطقة.

إنه لا يسعى وراء العناوين الصحفية، ولا تستهويه منصات التواصل الاجتماعي. فالحقيقة عنده تُكتب في التقارير السرية الموثقة، والنجاح يُقاس بالعمليات الاستباقية التي تُحبط المؤامرات قبل أن تولد، وتبقى طي الكتمان.

في غرفته الهادئة في اليرزة، يواصل العميد طوني قهوجي رصد حركة الساعات المقبلة. يدرك أن النوم رفاهية لا يملكها رجل يجلس على مقعد المسؤولية الأولى عن أمن البلاد. ينظر إلى خريطة لبنان، المحاصر بالأزمات والحرائق، ويعلم أن دوره ليس إطفاء النيران فحسب، بل منع الرياح من نقل شررها إلى الجسد اللبناني المتعب.

إنه الحارس الصامت لجمهورية تقف على الحافة، والرجل الذي يثبت يوماً بعد يوم، أن الحكمة تحت البدلة العسكرية هي السلاح الأقوى في زمن التحولات الكبرى.

يقرأون الآن