دولي

إيران تراوغ ونووي مجهول المصير... من يمسك أوراق اللعبة؟

إيران تراوغ ونووي مجهول المصير... من يمسك أوراق اللعبة؟

لم يكن مضيق هرمز يوما مجرد ممر مائي، بل كان دوما شريان سياسة وأداة ضغط وورقة وجود، غير أن ما يجري اليوم يتجاوز كل ما سبق؛ إذ باتت طهران توظف هذا المضيق ورقة في مفاوضات تتعلق بصميم بقائها النووي، فيما يقف المجتمع الدولي حائرا أمام مشهد تتداخل فيه أزمة القيادة الإيرانية مع غموض مخزون اليورانيوم ومع مراهنات ترامب على إنجاز تاريخي.

في هذا السياق المتشابك، يرسم الكاتب والباحث السياسي محمد قواص والخبير في الطاقة الذرية قاهر أبو الجدايل خلال حديثهما لسكاي نيوز عربية صورة كاملة لمعادلة تبدو في ظاهرها دبلوماسية، لكنها في جوهرها حرب بالوقت والمعلومات والمصطلحات.

أزمة القرار الإيراني.. صبيانية أم تصدع حقيقي؟

يرى الباحث السياسي محمد قواص أن تردد إيران في إيفاد وفدها التفاوضي إلى الجولات المحددة لا يمكن وصفه إلا بـ"الدراماتيكية المفرطة" التي تنطوي على قدر كبير من "الصبيانية في التصرف".

بيد أنه يرفض اختزال هذا السلوك في مجرد المناورة، ويذهب إلى أن المشهد يكشف عن أزمة هيكلية حقيقية في صناعة القرار الإيراني.

ويستشهد قواص بما بات واضحا للعيان: التناقض الصريح بين تصريح وزير الخارجية عباس عراقجي بفتح مضيق هرمز، ثم الإغلاق الفوري الذي أعلنه الحرس الثوري.

يضاف إلى ذلك تصريحات رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، التي تنم عن رؤية مغايرة تماما. ويصف قواص هذا التناقض بأنه "خلاف على الهواء مباشرة بين المزدوجين"، مشيرا إلى أن غياب القيادات الأولى منذ اغتيالها أفرز فراغا في مركز القرار ظل يخيم على كل جولات التفاوض.

ورغم ذلك كله، يجزم قواص بأن الوفد الإيراني سيحضر في نهاية المطاف، لأن إيران "كما بالعادة تجعل التشويق حتى الرمق الأخير"، إذ تحتاج هذا التوتر المحسوب لأسباب تتصل بالجبهة الداخلية أكثر مما تتصل بالتكتيك الخارجي.

استراتيجية شراء الوقت.. الهدنة سلاحا وجوديا

يكشف قواص عن محرك خفيٍ يقود السلوك الإيراني برمته: إيران لا تفاوض بحثا عن اتفاق، بل تفاوض لتمديد الهدنة. فهي تدرك أن الضرر العسكري الكبير الذي لحق بها قد يتحول إلى حرب أوسع وأكثر تدميرا، وهذا بالنسبة إليها "موضوع وجودي".

المضيق الذي فاجأ الجميع... ولم يكن ينبغي له ذلك

يصف قواص مضيق هرمز بأنه "المفاجأة التي كان يجب أن لا تكون مفاجأة". فإيران كانت قد أعلنت منذ بداية الحرب أنها ستغلق المضيق، غير أن واشنطن لم تأخذ هذا التهديد بالجدية الكافية، حتى غدا ملف المضيق القضية المحورية التي تتصدر المشهد.

ويرسم قواص صورة مثيرة للتناقض الإيراني: طهران تصر على أنها لا تغلق المضيق فعليا، بل تمنع سفن الدول التي "تعتدي عليها"، متذرعة بحقوق السيادة. غير أن الولايات المتحدة ترفض هذه الرواية جملة وتفصيلا، مصرة على أن إيران لا تملك حق إغلاق الممر الدولي أصلا.

وتكشف القراءة الاستراتيجية لقواص أن ترامب حول دفته من مطالبة الأوروبيين بتولي فتح المضيق إلى تولي الأمر بنفسه، من خلال دخول المدمرات ومحاصرة الموانئ الإيرانية، وأنه يعمل على بناء تحالف دولي لا أوروبي لضمان الملاحة الحرة بعد انتهاء الحرب.

ويشير قواص إلى أن إغلاق هرمز يعني في جوهره إغلاق شريان اقتصادي أمام الصين، وهو ما يجعل المضيق ورقة في الصراع الاستراتيجي الأميركي الصيني، مما يحيل ملف هرمز إلى بند لا يمكن لترامب إغفاله.

الملف النووي.. 450 كيلوغراماً تستدعي إجابات واضحة

على الجانب التقني، يقدم الخبير في الطاقة الذرية، قاهر أبو الجدايل، قراءة علمية تكشف أن ما يجري من نقاشات سياسية يخفي وراءه حقائق تقنية لا يمكن القفز عنها.

يفكك أبو الجدايل تصريح ترامب بأن ضرباته دمرت مخزون اليورانيوم العالي التخصيب الإيراني في مواقع فوردو ونطنز وأصفهان، معتبرا إياه "تصريحا سياسيا محضا وليس حقيقيا".

ويستند في ذلك إلى قراءة تقنية: المخزون البالغ 450 كيلوغراما محفوظ في هيئته الصلبة على شكل بودرة بنية اللون، موزعة على أسطوانات تحوي كل منها نحو 16 كيلوغراما، أي ما مجموعه نحو 25 أسطوانة.

ويشير الخبير إلى أن إيران اعتمدت في تعاملها مع هذا المخزون "استراتيجية التشتيت"، أي التخزين الموزع في مواقع متعددة، مما يجعل الاستيلاء على كامل الكمية أو تدميرها في ضربة واحدة أمرا بالغ الصعوبة، بل شبه مستحيل. ولذلك يصرح أبو الجدايل بثقة بأن إيران "ما زالت محتفظة بتلك الأسطوانات".

ويستشهد بتصريح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافييل غروسي، الذي أكد أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران حول هذه الكميات لا يملك "أي قوة علمية ولا أي أثر حقيقي على أرض الواقع" دون تدخل الوكالة الدولية.

ويضيف أبو الجدايل بعدا استراتيجيا بالغ الخطورة: هذه الـ450 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب تكفي لصنع نحو 10 قنابل نووية، وهي "قنبلة موقوتة بالنسبة للغرب".

ويقرر بوضوح أنه "لا يمكن حل البرنامج النووي في إيران إلا بالحصول على تلك الأسطوانات أو تدميرها بالكامل".

تجميد أم وقف؟.. معركة المصطلحات

يفرق أبو الجدايل تفريقا دقيقا وجوهريا بين مفهومَيْن يتداولهما المفاوضون:

-وقف التخصيب يعني إلغاء أجهزة الطرد المركزي وقطع السلسلة الصناعية النووية الكاملة، وهو ما تطالب به الولايات المتحدة.

-تجميد التخصيب يعني الإبقاء على كامل البنية التقنية قائمة دون المساس بها، مع وقف الإنتاج مؤقتا.

وتكمن الخطورة الكبرى، وفق أبو الجدايل، في أن الإبقاء على أجهزة الطرد المركزي يتيح الانتقال السريع من تخصيب بنسبة 60% إلى 90% من خلال بضع مئات من الأجهزة فحسب، وهي النسبة الكافية لصنع أسلحة نووية. وهذا بالضبط ما يغذي هواجس الغرب ويعمق الهوة التفاوضية.

وتضاف إلى هذا التعقيد حجج إيران الداخلية: طهران تعتبر عملية التخصيب "قضية وطنية وأمن قومي"، بل تصفها بأنها مقدسة كـ"تراب إيراني".

كما يفند أبو الجدايل الذريعة الإيرانية بالاحتياج المدني، إذ يشير إلى أن محطة بوشهر الذرية تستورد وقودها المخصب بنسبة 5% من روسيا، مما يجعل التخصيب الوطني بهذه النسبة عديم الجدوى للأغراض المدنية.

الاتفاق الممكن.. والحرب المفتوحة

يختم قواص قراءته بمشهد من اثنتين: إما الذهاب نحو حرب نهائية، وإما القبول باتفاق مرحلي يبدأ بالملف النووي التقني ويؤجل النقاشات الأكبر المتعلقة بالبرنامج الصاروخي والسياسة الإيرانية في المنطقة إلى مفاوضات لاحقة.

وفي السيناريو الأسوأ، يحذر قواص من أن إيران المهددة وجوديا قد تلجأ إلى "خيارات انتحارية"، من بينها ضرب منشآت الطاقة في المنطقة بالمثل، إذا لم يكن ثمة قرار دولي حقيقي يمضي باتجاه تغيير النظام، وهو مسار يصفه قواص بأنه "شيء صعب جدا".

أما السيناريو الأكثر ترجيحا فيبقى اتفاقا يقبل فيه النظام الإيراني بالعودة إلى النظام الدولي دولة طبيعية، مما يفرض عليها سلوكا جديدا يجعلها "أكثر إنصاتا لمخاوف دول المنطقة وأكثر قطعا مع الأذرع والميليشيات".

يقرأون الآن