في ظل تصاعد التوترات الدولية وتداخل الأزمات الجيوسياسية، برزت كوريا الشمالية كلاعب يسعى إلى استثمار اللحظة الدولية لتعزيز موقعه العسكري. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، كثّفت بيونغ يانغ من تجاربها الصاروخية بوتيرة لافتة، حيث أجرت خمس تجارب خلال فترة وجيزة، أربع منها في شهر أبريل/نيسان وحده، في أعلى معدل شهري منذ أكثر من عام.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد ليس منفصلًا عن السياق الدولي، بل يأتي في إطار استغلال انشغال أميركا بملفات الشرق الأوسط، ما يفتح المجال أمام كوريا الشمالية لتسريع تطوير قدراتها العسكرية، خاصة في المجال النووي. ويعكس هذا التوجه سعيًا واضحًا لإعادة فرض نفسها ضمن معادلات القوة العالمية، مستفيدة من حالة السيولة التي يشهدها النظام الدولي.
وتشير تحليلات خبراء إلى أن بيونغ يانغ تسعى إلى توجيه رسائل متعددة، أبرزها إظهار قدرتها على التقدم التقني والعسكري رغم العقوبات الدولية. وفي هذا السياق، اعتبر الباحث ليم أول-تشول أن العالم بات أقرب إلى "منطقة بلا قواعد"، حيث تراجعت فاعلية المعايير الدولية، ما يمنح كوريا الشمالية هامشًا أوسع للمناورة واستكمال برنامجها النووي.
وجاء هذا التصعيد بعد فترة قصيرة من انعقاد مؤتمر حزب العمال الحاكم، الذي يُعد محطة أساسية لتحديد التوجهات الاستراتيجية في البلاد. وخلاله، شدد الزعيم كيم جونغ أون على أن الوضع النووي لبلاده "دائم وغير قابل للتراجع"، في تأكيد واضح على تمسك بيونغ يانغ بخيار الردع النووي كركيزة أساسية لأمنها القومي.
وتنوعت الاختبارات الأخيرة بين صواريخ باليستية وأخرى كروز مضادة للسفن، إضافة إلى صواريخ تكتيكية مزودة بذخائر عنقودية، ما يشير إلى تطور نوعي في القدرات العسكرية، بما في ذلك إمكانية استخدام أسلحة مزدوجة تجمع بين الطابع التقليدي والنووي. كما لفت خبراء إلى أن كوريا الشمالية باتت قادرة على تنفيذ ما يُعرف بـ"هجمات الإغراق"، التي تعتمد على إطلاق كثيف للمقذوفات بهدف إرباك أنظمة الدفاع.
في المقابل، ورغم إدانة بيونغ يانغ للهجمات الأميركية على إيران ووصفها بـ"أفعال عصابات"، فإنها لم تُظهر دعمًا عسكريًا مباشرًا لطهران، على عكس ما فعلته في سياقات أخرى مثل دعمها لروسيا في حرب أوكرانيا. كما تجنبت توجيه انتقادات مباشرة إلى دونالد ترمب، الذي سبق أن عقد ثلاث قمم مع كيم جونغ أون، ما يفتح الباب أمام احتمالات دبلوماسية مستقبلية رغم الجمود الحالي.
وتسعى كوريا الشمالية أيضًا إلى إبراز متانة تحالفها مع روسيا، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى تبادل الدعم العسكري والاقتصادي بين الطرفين. وقد شهدت العلاقات بينهما خطوات ملموسة، من بينها افتتاح جسر بري جديد ومشاريع تعاون في مجالات البنية التحتية والزراعة، حتى في مناطق خاضعة لسيطرة موسكو داخل الأراضي الأوكرانية.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن بيونغ يانغ تمضي قدمًا في استراتيجية تقوم على استغلال الانشغال الدولي، وتعزيز قدراتها العسكرية، وتوسيع شبكة تحالفاتها، في محاولة لترسيخ موقعها كقوة يصعب تجاهلها في النظام العالمي المتغير.


