إبراهيم ريحان
حينَ سقطَت "التماثيلُ" في ساحاتِ دمشق في كانون الأوّل 2024، واهتزّت أركانُ ذاكَ النّظام الذي ظنَّ للحظةٍ أنّهُ أقوَى مِنَ التّارِيخِ، لَم تَكُن الهّزّاتُ تَقتصرُ عَلَى الجُغرافيا السُّوريّة. في بيروت، وفي طرابلس وصَيدا والبِقاع بغربِه ووسطِهِ وشمالِهِ، كانَ لِصَدَى الارتِطامِ رنينٌ آخر. هناكَ، خلفَ جدرانِ سِجنِ "رومية" المُوحِشة، وفي زَنَازينَ ضَاقَت بِسَاكنِيها لِسَنَواتٍ رجالٌ قَرؤوا في سُقوطِ بَشّار الأسَدِ ونظامِهِ أكثرَ مِن حَدثٍ سِياسيّ، قَرؤوا فِيهِ سُقوطَ "الرِّوَايةِ" التي كُبّلوا بِها، وانهيارَ "المَظْلومِيّة" التِي نُسجَت خُيوطُها في أقبِيَة الاستخبارات العَابِرةِ للحُدُودِ.
يَفتحُ مَلفُّ "الإسلاميّين" اليوم أبوابَه على مِصراعيْهِ. لَم يَعُد مِنَ المُمْكِن الهُروبُ إلى الأمَامِ. لم يَعُد العفوُ العامّ تَرَفاً سِياسيّاً أو وَرَقةً لِلمُقايضَةِ في بَازارِ الانتِخاباتِ، بَل صارَ استحقاقاً أخلاقيّاً يَفرضُ نفسهُ على دولةٍ أَدْمَنت النّظَر بِعينٍ واحدةٍ، وحَاكمَت شَبابَها بميزانٍ تختلُّ فيه كفّاتُ العَدالةِ كُلّما اقتَربنا مِن "الفَيْحاء" أو "عَبرا" أو "مَجدل عَنجَر".
خَدِيعة "الإرْهابِ" وفَخّ الحِكاية
لِنأخُذَ مثلاً حِكاية "بابِ التّبّانَة"، تِلكَ الرِّئة التِي تَنفَسّت وَجعَ الثّورَةِ السّوريّةِ منذ لَحظاتِها الأُولى. حينَ ذهبَ شبابُ الشّمالِ لمُناصَرة السّوريّين، لَم يَذهَبوا "إرهابيّين" كَمَا حَاولَت المَاكينَةُ الإعلاميّةُ المُرتبطةُ بـ"المِحور" المُنهَارِ تَصويرهُم.
ذَهَبوا بدافعٍ غَريزِيّ، إنسَانِيّ وأخويٍّ لِمواجهةِ آلةِ قتلٍ كيميائيّةٍ وبَرميليّة كَانت تَهْرُسُ جيرانَهم وأهلَهُم.
ذَهَبُوا في وَقتٍ كانَ العالمُ يَكتَفِي بـ"القَلقِ"، بينما كانت قَوافلُ أُخرى تَعبرُ الحدودَ تحت حمايَةِ السِّلاحِ الرّسمِيّ والغِطاءِ السّياسيّ لتَنصُرَ الظّالمَ على المَظْلومِ.
المُفارقةُ المُرّة تَكمنُ في "التّهمَةِ". لقد سُجنَ ولُوحِقَ هَؤلاءِ الشّباب لأنّهُم خَالفُوا "رَغبَةَ السّجّانِ" الذِي كانَ يَحكُمُ من دِمشقَ ويَتحَكّمُ ذات يوْمٍ ببَيرُوت. اليوم، وبعدمَا رَحَلَ السّجّانُ، وبَقِيَت السُّجُونُ مُمْتَلِئَة، نَسْألُ: بأيّ حَقٍّ يَستَمِرُّ حَجزُ حُرّيّةِ من ناصرَ الحَقّ، بيْنَما يَسرحُ ويَمرحُ مَن نَاصرَ الجَلّاد؟
"الشّمّاعةُ" التِي أرهَقَهَا الزّيفُ
خُذْ مِثَالَ شَادِي مَولوِي، الرّجُلُ الذي تَحَوّلَ في الأدَبيّاتِ الأمْنِيّةِ اللّبنَانِيَّةِ إلى "أُسطُورَةٍ سَودَاء". صُوّرَ مَولوِي على أنّه العَقلُ المُدَبّرُ والقَاتِلُ الذِي استَهدَفَ الجَيشَ اللّبنَانِيّ. لكنّ التّدقيقَ في الوقَائعِ، بعيداً عن صَخَبِ التّحريضِ، يكشفُ زيفَ الرّوايَة.
تؤكدُ المَعلوماتُ المُوثّقةُ والتّقاريرُ، التِي غُيِّبَت عَن عَمدٍ، أنّ شادِي مَولوَي، المَوجود اليَومَ في سُوريا، غادرَ "بابَ التّبَانَة" قَبلَ أربعةِ أيّامٍ كامِلَة مِن انْدلاعِ المَعرَكَةِ معَ الجَيْشِ في 2014. غَادَرَهَا كيْ لَا يَكونَ طَرَفاً فِي صِدامٍ مع مُؤسّسةٍ يُدركُ الجميعُ أنّ الانزِلَاقَ إليْه هُو "فَخٌّ" نُصِبَ لِلمَدِينَةِ وأهْلهَا.
مَع ذلكَ، أُلبسَ الرّجلُ ثوبَ الجريمةِ. حتّى تَفجير "جَبلِ مُحْسن" في 2015، الذَي سَارَعَت "جَبهَة النّصْرَةِ" وأسَامَة مَنصُور إلى تَبَنّيهِ عَلانِيّةً وبكلِّ تفاصيلِهِ، أُصِرّ عَلى إلصاقِهِ بمَوْلَوِي. لِماذَا؟
لأنّ المَلفَ كانَ يَحتاجُ إلى "رَأسٍ كبيرٍ" يُبَرّرُ حَملاتِ القَمعِ ويُوسِّع دائرةَ المُلاحَقَةِ، ويُرضِي "النّظام المَخلوعَ" فِي دِمشق الذِي كانَ يُطالبُ برؤوسِ كُلّ مَن جرؤ على قول "لا". شَادِي المَولوِي اليومَ ليْسَ فَرداً وحسب، بَل هو نَمُوذجٌ لضَحَايَا "المَلفّات المُعلّبَةِ" التي فُصّلَت على مَقَاسِ المَرحلةِ الأمنيّةِ السّابقَةِ.
انفِجاران ومِيزانانِ: وَجَعُ العَدَالَة العَرْجَاءِ
لا تَستَقيمُ قِراءةُ مَلفّ الإسلامِييّن دُونَ المُقارَنَةِ الصّارِخَةِ بيْنَ تَعامُلِ الدّولةِ مَع حَدثَيْنِ هزّا الوجدَانَ اللّبنَانِيّ.
فِي تَفجِيرِ "جَبَلِ مُحْسن"، استَنفَرَتِ الدّولةُ أجهزتَها، وضَربَت الأطوَاقَ الأمنِيّةِ، وسِيقَ العَشَراتُ إلى التّحقِيقِ تحتَ بندِ "الإرْهَاب"، وهُو أمرٌ طَبيعيّ في دولةٍ تَحتَرِم أمنَ مُواطنِيهَا. لكن مَاذَا عن تفجيرَيْ مَسجِدَيْ "التقوى والسّلامِ"؟
الجهد الاستثنائي لمحاكاة ميشال سماحة
هُناك، في قَلبِ طَرابلُس، حيث سقطَ مئاتُ الشّهدَاء والجَرحَى وهُم خارِجونَ من الصّلاةِ، كاَنت الحقيقةُ واضِحَةً كالشّمسِ. أشارت التّحقيقاتُ والقَرارُ الظّنّيّ بِالأسمَاءِ والوَثَائق إلى تَوَرُّطِ ضُبّاطٍ في استخبارَات آل الأسدِ. مَع ذَلكَ، نامَ المَلفُّ في أدْراجِ النّسيَانِ. لم تصدرْ مذكّراتُ توقيفٍ دوليّة جَادّة، حتّى إنّه لمْ يُطَالَب "النّظام البائد" بتسلِيمِ القَتلة، ولمْ يُحاسَب أحدٌ.
هَذَا "الانفِصَامُ" في سُلوكِ الدّولةِ هو الذِي ولّد الشّعورَ بِالمظْلُومِيّةِ. تُحاكَمَ بتهمةِ "النّيّة" أو "الشّبهَةِ" لأنّك إسلاميّ تتردّدُ على ذلكَ المسجِدِ أو ذاكَ، بينَما يُعفَى القاتلُ المُوثّقُ لأنّه يَتبَعُ لنِظَام الأسدِ. هِيَ قمّةُ العَبثِ الذي لا يُمكِنُ أن يَستَمِرّ فِي "لبنان مَا بَعدَ الأسَدِ".
"الحِزبُ" والإسلامِيُّون.. مُفارَقة "فائضِ القُوّةِ"
تبرزُ المُقَارنةُ الأقسى حينَ نَضعُ "إسْلامِيّي الشّمالِ أو غيْرهِ" في كَفّةٍ، ومُقَاتِلِي "الحِزبِ" في كَفّةٍ أُخرَى.
ذَهب شبابُ الشمالِ أفرَاداً، بِجهودٍ ذاتيّة، ليَقِفُوا مع ثَورةٍ شعبيّة، فاعتُبِروا "إرْهَابِيّين" ومُلاحَقِين. في المقابلِ، عبرَ "الحزبُ" الحدودَ بجيُوشِهِ، وراجِماتهِ وآليّاتِهِ، وصَوارِيخِهِ، مُقتَحِمَاً المُدُنَ السّوريّة، مُساهِماً في تَهجِيرِ أهلِهَا، ومُنتصِراً لِجَلّادِهَا. فَعلَ ذلكَ علانيّةً وجهاراً، مُتحدّياً "إعلانَ بعبدَا"، الذِي وقّعَ عليْه، وسِياسَة "النّأي بِالّنفْسِ".
لماذَا لا يُسألُ مقاتلُ "الحزبِ" عمّا فعلهُ في القْصَير وحَلَب ودَارَيّا؟ ولماذَا يُعتبرُ فِعلهُ "وَاجِبَاً جِهَادِيّاً" مَحمِيّاً ببيانٍ وَزَارِيّ، بَيْنمَا يُعتبرُ تَعاطفُ الشّابّ الطّرابُلسِيّ مع أطفالِ الغوطةِ "خروجاً على القانون"؟
هذِهِ الثنائيّةُ - الازدواجِيّة القَاتِلَة هي التِي فَتّتَت العَقْدَ الاجْتمَاعِيّ اللبنَانِيّ، وهي التِي تَجْعلُ مِنَ العفوِ العامّ اليومَ مَدخلاً وحيداً لتَرميمِ ما انْكَسَرَ.
كَلِمَة السّرِّ: العفوُ الشّامِل والنّاجِز
سقطَ بَشّارُ الأسدِ، ومعهُ يَنبغي أن تَسقُطَ كلّ مَفاعيل حَقَبتِهِ في لُبنَان. لم يَعُد مقبولاً أنْ تَظَلّ المحاكمُ العَسكريّة ووثائقُ الاتّصالِ وسُجونُ التّوقِيفِ الاحتيَاطِيّ مَقبرةً لشَبابٍ كُلّ ذَنبِهِم أنّهُم سَبقوا زَمانهُم في اكتشافِ إجرامِ وزَيفِ ورُعونَةِ ذلكَ الّنظَام.
إنّ العفوَ العامّ عَن الإسْلَامِيّين، وخصُوصاً الذينَ لم تَتَلَطّخ أيديهُم بدماءِ اللّبْنَانيّين، هو فعلُ إيمانٍ بِالدّوْلَةِ الجديدةِ، هوَ اعترافٌ بأنّ المَرحَلةَ السّابقة كانت مَرحَلةً "مُختَطَفَة" أمنِيّاً وسياسيّاً. يَنتَظِرُ المَظلومونَ، سَوَاء خَلفِ القُضبَانِ أو فِي المَنَافِي القَسريّة، لَحظَة الحَقِيقةِ.
لقَد انتَهَى زمنُ "البُعبُع" الذِي كَانَ يُستخدَمُ لتَرهيبِ الدّاخل اللّبنَانِيّ. انتهَى زمنُ المُقَايَضَةِ بِدماءِ المَوقُوفِينَ لإرضَاءِ الخَارِج وبعضِ الدّاخلِ. إنّ مناطِق وأزقّةَ طَرابلُس وصيْدا والبِقاع، التي دَفَعت ثَمَنَ صُمُودِهَا مِن أمنِهَا وأبنائِها، تَستَحقُّ اليومَ أن يُكافَأ صَبرُهَا بإعادةِ أبنائِها إليْهَا.
فِي "لُبنانَ مَا بعدَ الأسدِ" لم يَعُد مَسمُوحاً أنْ تَظلَّ العَدَالةُ عَرجَاء. إنّ سُقُوطَ جدارَ الخَوْفِ في دِمَشق يَعنِي بِالضّرُورَةِ تَحطِيمَ جُدرَانِ الظّلم في زَنازِينِنَا. لا تُبنَى دولةٌ على أنْقَاضِ "المَظلُومِيّة"، ولَا يَستقيمُ وطنٌ يطاردُ الضّحِيّةَ ويغضُّ الطّرفَ عن الجَلّادِ.
إنّ العَفوَ العامّ اليومَ ليْسَ مَخرجاً قَانُونِيّاً وحسب، بَل هُوَ فِعلُ شَجَاعةٍ وَطَنِيّةٍ واعتِرَافٌ بأنّ مَلفّ "الإسلامِيّين" فُصِّلَ في غرفٍ سَودَاءَ لإرضاءِ نظامٍ بَائد.
لقَد رَحَلَ السَّجّان الكَبيرُ وتَهاوَت أدواته، فبأيِّ حقٍّ تُصرُّ "الأدوَاتُ الصّغِيرَةُ" في السّياسَة عَلى إبقاء هؤلاءِ الشّبّانِ في عَتْمَة السّجُونِ؟
آنَ الأوان لِلعائِلات المُنْتَظِرةِ أن تَستَعيدَ أبناءَهَا. طَيُّ هذِهِ الصّفحةِ بالعفوِ والعَدلِ هُو السّبِيلُ الوحيدُ لغَسلِ مَرَارَاتِ المَاضِي. بشّار صَارَ خَلفنا، فَهل نملكُ الجُرأة لنَجعَل "المَظلُومِيّة" خَلفَنَا أيْضاً؟ الحَقيقةُ عارِيَةٌ، والحُرّيّة التي أشْرقَت مِن جبلِ قَاسيُون لا بُدّ أن تَكسرَ قيدَ جبلِ لبنان لتُعلِنَ أنّ فجرَ العَدَالَة لا يَستَأذِنُ أحَداً.


