أصبحت "سلاسل التوريد" والتحكم بها سلاحاً جديداً وفتاكاً في أيدي الدول وبات يُشكل تهديداً للعالم والاستقرار العالمي، وهذا ما بدا واضحاً خلال الأسابيع الماضية بعد أن تم إغلاق مضيق هرمز وتأثر العالم بأكمله بما يجري في منطقة الخليج، لكن هذه الحقيقة التي بدت جلية أعادت إلى الواجهة القدرات التي لدى الصين في هذا المجال والتي يُمكن أن تستخدمها ضد الولايات المتحدة وضد العالم بأكمله في أية لحظة مستقبلية.
وبحسب مقال للكاتب الأميركي ريتشارد ويتز، وهو باحث في معهد هدسون، فإن "العالم يدخل عصراً جديداً لحروب سلاسل التوريد"، مشيراً إلى أن الأهم مما حدث في حرب إيران مؤخراً هو أن "الصين تمتلك قدرةً هائلةً على شلّ الاقتصاد الأميركي".
ويقول الكاتب في مقاله الذي نشرته مجلة "ناشونال انترست" واطلعت عليه "العربية Business"، فإن "أزمة مضيق هرمز تُجسّد كيف يُمكن لخصوم أميركا التلاعب فجأةً بالاعتماد على سلاسل التوريد كأسلحة جيوسياسية، حيث أدّى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستوياتٍ لم تشهدها منذ سنوات، في الوقت نفسه، هيّأت الصين بالفعل نقاط اختناقٍ مستقبلية للولايات المتحدة".
ويضيف الكاتب: "أصبح قادة الصين خبراء في حروب سلاسل التوريد، مُقتدين بالاستراتيجي الصيني البارع، سون تزو، الذي لاحظ أن فن الحرب الأسمى يكمن في كسر مقاومة العدو دون قتال".
ووفقاً للجنة مراجعة الأمن والاقتصاد بين الولايات المتحدة والصين التابعة للكونغرس فقد "تحوّلت بكين نحو هدف سياسي واضح يتمثّل في ترسيخ هيمنة لا تُنازع عبر سلاسل القيمة العالمية، والقضاء على نقاط ضعفها، مع خلق اعتماد عالمي على المنتجات الصينية".
وفي أبريل 2020، وجّه الرئيس الصيني شي جين بينغ توجيهات صريحة مفادها: "يجب علينا تشديد اعتماد سلاسل الإنتاج الدولية على الصين، وتكوين تدابير مضادة فعّالة وقدرات ردع قوية تعتمد على قطع الإمدادات عن الأجانب بشكل مصطنع".
ويقول الباحث الأميركي ريتشارد ويتز: "لطالما تلاعبت الصين بسلاسل التوريد العالمية لسنوات، بدءاً من المواد الخام وصولاً إلى المنتجات النهائية. ومن بين ضحايا بكين اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والعديد من الدول الأوروبية. وفي السنوات الأخيرة، حجبت الحكومة الصينية صادرات المعادن إلى الولايات المتحدة لصناعة الإلكترونيات المتقدمة (الغاليوم والجرمانيوم لأشباه الموصلات) والصناعات الدفاعية (الأنتيمون، وهو معدن لا بديل له في الذخائر العسكرية). وقد عانت دول عديدة من أضرار مضاعفة نتيجة انقطاع الإمدادات المصنّعة في الصين، بالإضافة إلى إغراق السوق الصينية بفائض الإنتاج بهدف إفلاس المنافسين الأجانب المحتملين".
ويلفت ويتز إلى أنه بالاعتماد على هيمنة الصين على المواد الخام الأساسية، واستغلالها للدعم الحكومي السخي وأسواقها المحلية الواسعة، باتت الصين تهيمن على الإمدادات العالمية لمنتجات بالغة الأهمية اقتصادياً وعسكرياً، مثل لوحات الدوائر المطبوعة، وأشباه الموصلات الأساسية، والمكونات الصيدلانية الفعالة.
ويشير ويتز إلى أن الصين -على سبيل المثال- احتكرت إنتاج بطاريات الليثيوم أيون، الضرورية للأغراض العسكرية والمدنية على حد سواء. ورغم شهرتها في تشغيل المركبات الكهربائية، تُعد بطاريات الليثيوم أيضاً مكونات أساسية لأجهزة الكمبيوتر، والطائرات المسيّرة، وغيرها من الأنظمة الإلكترونية المتقدمة.
ويخلص الكاتب والباحث الأميركي إلى القول إن "ما يزيد التحدي الصيني خطورة هو تلاعب الحكومة الصينية بعملتها ودعمها لشركاتها عبر الإعفاءات الضريبية، والقروض الميسرة، وغيرها من أشكال الدعم لخفض تكاليف صادراتها وبناء شراكات خارجية. كما تُسهم عمليات التجسس الإلكتروني وسرقة الملكية الفكرية الصينية في تمكين الشركات الصينية من الحصول على أسرار أجنبية".
وينتهي الكاتب إلى القول: "إذا كانت إيران تُقلق واشنطن طوال الليل، فعلى الصين أن تُقلقها لجيل كامل".


